لقد أراد اللّه تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن ، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع المعاذير . ومثل ذلك مثل قول الحق تبارك وتعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
( من الآية 11 سورة الأحقاف )
وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضى أن يقال : لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه ، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في أماكن متعددة للمؤمنين ، وأراد اللّه سبحانه وتعالى : أن يلفتنا لذلك ، فعمم الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط ، بل ينطبق على كل حالة مماثلة ؛ لذلك قال سبحانه :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
( من الآية 38 سورة الأنفال )
وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن مقاومة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعنادهم معه فهو سبحانه وتعالى يغفر لهم ، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر ، فإن انتهوا عنهما ، صاروا مؤمنين . والإسلام يجبّ ما قبله .
ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، ثم دخل المعركة فاستشهد صار شهيدا ؛ لأنه قد غفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه التي حدثت منه أثناء الكفر ، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق اللّه تعالى ، أما ما يتعلق بحقوق الناس ، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى :
وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
( من الآية 38 سورة الأنفال )