وسيدنا نوح عليه السلام دعا قومه ونبههم إلى ثلاثة أشياء : عبادة اللّه ، فقال :
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ »
، وبين لهم أنه ليس هناك إله سواه فقال :
« ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
، وأظهر لهم حرصه وإشفاقه عليهم إذا خالفوا وعصوا فقال :
« إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » .
وهكذا تكلم عن العقيدة في الإله الواحد المستحق للعبادة ، وليس آلهة متعددة ، ونعبده أي نطيع أمره ونهيه ، ولأنهم إن لم يفعلوا ذلك فهو يخاف عليهم من عذاب يوم عظيم ، وهو عذاب يوم القيامة . أو أنّ اللّه كان قد أوحى له بأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وعذاب يوم عظيم أي يوم الإغراق ، و « الخوف » مسألة تتعب تفكير من يستقبلها ويخاف أن يلقاها . فمن الذي يفزع بهذا ؟
إن الذي يفزع هم الطغاة والجبابرة والسادة والأعيان ووجوه القوم ، وكانوا قد جعلوا من أنفسهم سادة ، أما سائر الناس وعامتهم فهم العبيد والمستضعفون . والذي يهاج بهذه الدعوة هم السادة لأنه ليس هناك إلا إله واحد ، والأمر لواحد والنهى لواحد والعبادة والخضوع لواحد ، ومن هنا فسوف تذهب عنهم سلطتهم الزمنية ، لذلك يوضح الحق لنا موقف هؤلاء من الدعوة حين يقول :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 60 ]
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 )
والملأ هم سادة القوم وأعيانهم وأشرافهم ، أو الذين « يملأون » العين هيئة ويملأون القلوب هيبة ، ويملأون صدور المجالس بنية .
إنهم خائفون أن تكون دعوة نوح هي الدعوة إلى الطريق المستقيم وكلامه هو الهداية ؛ فيمنّوا أنفسهم بأن هذا ضلال وخروج عن المنهج الحق :
( إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .