وهذه خاصية لن تنتهى أبدا ، فإن رأيت منكرا فلابد من خلية خير تنكره وتقول : لا ، وإذا كان الحق قد جعل محمدا خاتم الرسل ، فذلك شهادة لأمته أنها أصبحت مأمونة ، وأن المناعة الذاتية فيها لا تمتنع ولا تنقطع ، وكذلك لا تمتنع منها أبدا المناعة الاجتماعية فلن يأتي رسول بعد سيد الخلق سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 4 ]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 )
وساعة تسمع « كم » فاعرف أن المسألة خرجت عن العد بحيث تستوجب أن تستفهم عنها ، وهذا يدل على أمر كثير فوق العدد ، لكن عندما يكون العدد قليلا فلا يستفهم عنه ، بل يعرف . والقرية اسم للمكان المعد إعدادا خاصا لمعيشة الناس فيه . وهل القرى هي التي تهلك أم يهلك من فيها ؟ . أوضح الحق أنها تأتى مرة ويراد منها المكان والمكين : أو يكون المراد بالقرية أهلها ، مثال ذلك قوله الحق في سورة يوسف :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ . .
( 82 ) [ سورة يوسف ]
وبطبيعة الحال لن يسأل إنسان المكان أو المباني ، بل يسأل أهل القرية ، ولم يقل الحق : اسأل أهل القرية ؛ لأن المسؤول عنه هو أمر بلغ من الصدق أن المكان يشهد مع المكين ، ومرة أخرى يوضح الحق أنه يدمر القرية بسكانها ومبانيها .
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا .
وأيهما يأتي أولا : الإهلاك أم يأتي البأس أولا فيهلك ؟ . الذي يأتي أولا هو البأس فيهلك ، فمظاهر الكونيات في الأحداث لا يأتي أمرها ارتجالا ، وإنما أمرها مسبق أزلا ، وكأن الحق يقول هنا : وكم من قرية حكمنا أن نهلكها فجاءها بأسنا ليتحقق ما قلناه أزلا ، أي أن تأتى الأحداث على وفق المرادات ؛ حتى ولو كان هناك اختيار للذي يتكلم عنه الحق .