[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 30 ]
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 )
ولا يقال : طوعت الشئ إلا إذا كان الشئ متأبيا على الفعل ، فلا تقل : أنا طوّعت الماء ، إنما تقول : طوّعت الحديد ، وقوله :
« فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ »
فهل نفسه هي التي ستقتل وهي نفسه التي طوّعت ؟
ولننتبه هنا أن الإنسان فيه ملكتان اثنتان ؛ ملكة فطرية تحبّ الحق وتحبّ الخير ، وملكة أهوائية خاضعة للهوى ، فالملكتان تتصارعان .
« فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ »
كأن النفس الشريرة الأهوائية تغلبت على الخيّرة ، فكأن هناك تجاذبا وتصارعا وتدافعا ؛ لأن الإنسان لا يحب الظلم إن وقع عليه . لكن ساعة يتصور أنه هو الذي يظلم غيره فقد يقبل على ذلك .
« فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ »
إنه لا يزال فيه بقيّة من آثار النّبوة ؛ لأنه قريب من آدم ، ولا تزال المسألة تتأرجح معه ، والشر من الأخيار ينحدر ، والشر في الأشرار يصعد .
فقد تأتى لرجل طيب وتثير أعصابه فيقول : إن رأيته لأضربنه رصاصة أو أصفعه صفعتين ، أو أوبّخه ، والشرّير يقول : واللّه إن قابلته أبصق في وجهه ، أو أضربه صفعتين ، أو أضربه رصاصة . إذن فالشر عند الشرّير يتصاعد ، ويجد العملية لا تكفى للغضب عنده فيصعدها . إنما نفس الخير تنفّس عن غضبها وبعد ذلك ينزل عنها بكلمة ، ولذلك نلاحظ في سورة سيدنا « يوسف » :
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
( من الآية 8 سورة يوسف )
والعجيب أنهم جاءوا بالتعليل الذي ضدّهم ؛ كي يعرفك أن الهوى والغضب والحسد والحقد تقلب الموازين ،
« وَنَحْنُ عُصْبَةٌ »
هذه تدل على أنهم أقوياء . وهي التي جعلت أباه يعقوب يعطف على الصغير . أنتم تقولون :
« لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ