ويعرف طهارة قلوب المؤمنين أيضا ، فينزل السّكينة والتّقوى عليهم هنا ويترك أولئك في غيّهم وحميّتهم حميّة الجاهليّة ، فاللّه يشمل كلّ قوم وأمّة بما تستحقّه من اللّطف والرّحمة ، أو الغضب والنّقمة .
ملاحظة :
ما هي حميّة الجاهليّة ؟
قلنا : إنّ الحميّة في الأصل من مادّة « حمي » ومعناها :
الحرارة ، ثمّ صارت تستعمل في معنى الغضب ، ثمّ استعملت في النّخوة والتّعصّب الممزوج بالغضب أيضا .
وهذه الكلمة قد تستعمل في هذا المعنى المذموم ، مقرونة بالجاهليّة أو بدونها بعض الأحيان . وقد تستعمل في المدح حينا آخر ، فتكون عندئذ بمعنى التّعصّب في الأمور الإيجابيّة البنّاءة .
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام حين انتقده بعض أصحابه الضّعاف المعاندين : « منيت بمن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت أما دين يجمعكم ولا حميّة تحشمكم » .
غير أنّ هذه الكلمة غالبا ما ترد في الذّمّ ، كما ذكرها الإمام عليّ مرارا في خطبته القاصعة ، ذامّا بها إبليس أمام المستكبرين : « صدّقه به أبناء الحميّة وإخوان العصبيّة فرسان الكبر والجاهليّة » .
وفي مكان آخر من هذه الخطبة يقول محذّرا من العصبيّات الجاهليّة : « فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبيّة وأحقاد الجاهليّة . فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشّيطان ونخواته . . . ونزعاته ونفثاته » .
وعلى كلّ حال فلا شكّ أنّ وجود مثل هذه الحالة في الفرد أو المجتمع باعث على تخلّف ذلك المجتمع ، ويلغي أستارا ثقيلة على العقل والفكر الإنسانيّ ، وتمنعه من الإدراك الصّحيح والتّشخيص السّالم . وربّما تذر جميع مصالحه مع الرّياح .
وأساسا ، فإنّ انتقال السّنن الخاطئة من جيل لأخر ومن قوم لآخرين ، هو في ظلّ هذه الحميّة المشؤومة ، ومقاومة الأمم للأنبياء والقادة غالبا ما تكون عن هذه السّبيل أيضا .
ينقل عن الإمام عليّ بن الحسين حين سئل عن العصبيّة أنّه قال عليه السّلام : العصبيّة الّتي يأثم عليها صاحبها أن يرى شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبيّة أنّ يحبّ الرّجل قومه ، ولكن من العصبيّة أن يعين قومه على الظّلم .
إنّ خير سبيل لمقاومة هذه السّجيّة السّيّئة والنّجاة من هذه المهلكة العظمى : السّعي والجدّ لرفع المستوى الثّقافيّ والفكريّ ، وإيمان كلّ قوم وجماعة .
وفي الحقيقة إنّ القرآن عالج هذا المرض بالآية المتقدّمة ، حيث يتحدّث عن المؤمنين ذوي السّكينة والتّقوى ، فحيث توجد التّقوى فلا توجد حميّة الجاهليّة ، وحيث توجد حميّة الجاهليّة فلا تقوى ولا سكينة .
( 16 : 441 )
فضل اللّه : ( الحميّة ) : الأنفة والاستكبار . [ إلى أن قال : ]
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
الّتي يحرّكها الانفعال والعصبيّة ومشاعر الإخلاص للعشيرة ، دون