وذلك لأنّ في الغضب ثوران دم القلب وحرارته وغليانه . والجارّ والمجرور إمّا متعلّق بالجعل ، على أنّه بمعنى الإلقاء ، أو بمحذوف وهو مفعول ثان ، على أنّه بمعنى التّصيير ، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم ،
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
بدل من ( الحميّة ) أي حميّة الملّة الجاهليّة ، وهي ما كانت قبل البعثة ، أو الحميّة النّاشئة من الجاهليّة الّتي تمنع إذعان الحقّ . ( 9 : 49 )
المراغيّ : [ نحو القرطبيّ ثمّ قال : ]
والمراد بها : ثوران القوّة الغضبيّة ، وحميّة الجاهليّة :
حميّة في غير موضعها ، لا يؤيّدها دليل ولا برهان .
( 26 : 108 )
سيّد قطب : حميّة لا لعقيدة ولا لمنهج . إنّما هي حميّة الكبر والفخر والبطر والتّعنّت . الحميّة الّتي جعلتهم يقفون في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه ، يمنعونهم من المسجد الحرام ، ويحبسون الهدي الّذي ساقوه ، أن يبلغ محلّه الّذي ينحر فيه ، مخالفين بذلك عن كلّ عرف ، وعن كلّ عقيدة ، كي لا تقول العرب : إنّه دخلها عليهم عنوة .
ففي سبيل هذه النّعرة الجاهليّة يرتكبون هذه الكبيرة الكريهة في كلّ عرف ودين ، وينتهكون حرمة البيت الحرام الّذي يعيشون على حساب قداسته ، وينتهكون حرمة الأشهر الحرم الّتي لم تنتهك في جاهليّة ولا إسلام !
وهي الحميّة الّتي بدت في تجبيههم لكلّ من أشار عليهم أوّل الأمر بخطّة مسالمة ، وعاب عليهم صدّ محمّد ومن معه عن بيت اللّه الحرام .
وهي كذلك الّتي تبدّت في ردّ سهيل بن عمرو لاسم الرّحمن الرّحيم ، ولصفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أثناء الكتابة .
وهي كلّها تنبع من تلك الجاهليّة المتعجرفة المتعنّتة بغير حقّ .
وقد جعل اللّه الحميّة في نفوسهم على هذا النّحو الجاهليّ ، لما يعلمه في نفوسهم من جفوة عن الحقّ والخضوع له . فأمّا المؤمنون فحماهم من هذه الحميّة ، وأحلّ محلّها السّكينة ، والتّقوى . ( 6 : 3329 )
ابن عاشور : الحميّة : الأنفة ، أي الاستنكاف من أمر ، لأنّه يراه غضاضة عليه . وأكثر إطلاق ذلك على استكبار لا موجب له ، فإن كان لموجب فهو إباء الضّيم .
ولمّا كان صدّهم النّاس عن زيارة البيت بلا حقّ . لأنّ البيت بيت اللّه لا بيتهم كان داعي المنع مجرّد الحميّة . قال تعالى :
وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ
الأنفال : 34 . و ( جعل ) بمعنى « وضع » ، كقول الحريريّ في المقامة الأخيرة : « اجعل الموت نصب عينك » . [ ثمّ استشهد بشعر ]
الَّذِينَ كَفَرُوا
مفعول أوّل ل ( جعل ) و ( الحميّة ) بدل اشتمال من
الَّذِينَ كَفَرُوا ،
و
فِي قُلُوبِهِمُ
في محلّ المفعول الثّاني ل ( جعل ) ، أي تخلّقوا بالحميّة فهي دافعة بهم إلى أفعالهم ، لا يراعون مصلحة ولا مفسدة ، فكذلك حين صدّوكم عن المسجد الحرام .
و
فِي قُلُوبِهِمُ
متعلّق ب ( جعل ) ، أي وضع الحميّة في قلوبهم .
و
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
عطف بيان للحميّة ، قصد من إجماله ثمّ تفصيله تقرير مدلوله ، وتأكيده ما يحصل لو قال :
( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) .
وإضافة الحميّة إلى الجاهليّة لقصد تحقيرها