وتشنيعها ، فإنّها من خلق أهل الجاهليّة ، فإنّ ذلك انتساب ذمّ في اصطلاح القرآن ، كقوله :
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
آل عمران : 154 ، وقوله :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
المائدة : 50 .
ويعكس ذلك إضافة السّكينة إلى ضمير اللّه تعالى إضافة تشريف ، لأنّ السّكينة من الأخلاق الفاضلة فهي موهبة إلهيّة . ( 26 : 163 )
الطّباطبائيّ :
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
بيان ل ( الحميّة ) و ( الجاهليّة ) وصف موضوع في موضع الموصوف ، والتّقدير : الملّة الجاهليّة . ( 18 : 289 )
مكارم الشّيرازيّ : التّعصّب ، و
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
هما أكبر سدّ في طريق الكفّار .
هذه الآية تتحدّث مرّة أخرى عن مجريات الحديبيّة وتجسّم ميادين أخرى من قضيّتها العظمى . فتشير أوّلا إلى واحد من أهمّ العوامل الّتي تمنع الكفّار من الإيمان باللّه ورسوله والإذعان والتّسليم للحقّ والعدالة ، فتقول :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ .
ولذلك منعوا النّبيّ والمؤمنين أن يدخلوا بيت اللّه ويؤدّوا مناسكهم ، وينحروا الهدي في مكّة . وقالوا لو دخل هؤلاء - الّذين قتلوا آباءنا وإخواننا في الحرب - أرضنا وديارنا وعادوا سالمين فما عسى أن تقول العرب فينا ؟ ! وأيّة حيثيّة واعتبار لنا بعد ؟
هذا الكبر والغرور والحميّة حميّة الجاهليّة منعتهم كلّها حتّى من كتابة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
بصورتها الصّحيحة ، عند تنظيم معاهدة صلح الحديبيّة ، مع أنّ عاداتهم وسننهم كانت تجيز العمرة وزيارة بيت اللّه للجميع ، وكانت مكّة عندهم حرما آمنا حتّى لو وجد أحدهم قاتل أبيه فيها أو أثناء المناسك ، فلا يناله منه سوء وأذى لحرمة البيت عنده ، فهؤلاء - بهذا العمل - هتكوا حرمة بيت اللّه والحرم الآمن وجعلوا سننهم وعاداتهم تحت أقدامهم ، كما سدلوا ستارا حاجبا بينهم وبين الحقيقة أيضا ، وهكذا هي آثار حميّة الجاهليّة المميتة .
و ( الحميّة ) في الأصل من مادّة « حمي » على وزن « حمد » ومعناها الحرارة الّتي تقع من الشّمس أو النّار على جسم الإنسان وما شاكله ، ومن هنا سمّيت الحمّى الّتي تصيب الإنسان ، بهذا الاسم « حمّى » على وزن « كبرى » .
ويقال لحالة الغضب أو النّخوة أو التّعصّب المقرون بالغضب : حميّة أيضا .
وهذه الحالة السّائدة في الأمم هي بسبب الجهل وقصور الفكر والانحطاط الثّقافيّ خاصّة بين « الجاهليّين » وكانت مدعاة لكثير من الحروب وسفك الدّماء .
ثمّ تضيف الآية الكريمة ، وفي قبال ذلك
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
هذه السّكينة المولودة عن الإيمان والاعتقاد باللّه والاعتماد على لطفه ، دعتهم إلى الاطمئنان وضبط النّفس ، وأطفأت لهب غضبهم ، حتّى أنّهم قبلوا - ومن أجل أن يحفظوا ويرعوا أهدافهم الكبرى - بحذف جملة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
الّتي هي رمز الإسلام في بداية الأعمال ، وأن يثبتوا مكانها « بسمك اللّهمّ » الّتي هي من موروثات العرب السّابقين في أوّل المعاهدة ، وحذفوا