فَأَنْزَلَ اللَّهُ
وبين الفاعلين ما لا يخفى .
ثانيها : جعل للكافرين الحميّة وللمؤمنين السّكينة ، وبين المفعولين تفاوت ، على ما سنذكره .
ثالثها : أضاف الحميّة إلى الجاهليّة وأضاف السّكينة إلى نفسه ؛ حيث قال : حميّة الجاهليّة ، وقال : سكينته ، وبين الإضافتين ما لا يذكر .
الثّانية : زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء بشيء : فعلهم بفعل اللّه والحميّة بالسّكينة والإضافة إلى الجاهليّة بالإضافة إلى اللّه تعالى ، وألزمهم كلمة التّقوى ، وسنذكر معناه .
وأمّا اللّفظيّة فثلاث لطائف :
الأولى : قال في حقّ الكافر : ( جعل ) وقال في حقّ المؤمن : ( انزل ) ، ولم يقل : خلق ، ولا جعل سكينته إشارة إلى أنّ الحميّة كانت مجعولة في الحال في العرض الّذي لا يبقى ، وأمّا السّكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرّحمة معدّة لعباده فأنزلها .
الثّانية : قال الحميّة ثمّ أضافها بقوله :
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
لأنّ الحميّة في نفسها صفة مذمومة ، وبالإضافة إلى الجاهليّة تزداد قبحا ، وللحميّة في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهليّة .
الثّالثة : قوله :
فَأَنْزَلْنا *
بالفاء لا بالواو إشارة إلى أنّ ذلك كالمقابلة . . . ( 28 : 101 )
القرطبيّ : ( الحميّة ) فعيلة ، وهي الأنفة . يقال :
حميت عن كذا حميّة بالتّشديد ومحميّة ، إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله . [ ثمّ استشهد بشعر ]
( 16 : 288 )
نحوه أبو حيّان . ( 8 : 99 )
البيضاويّ : ( الحميّة ) : الأنفة ،
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
الّتي تمنع من الإذعان للحقّ . ( 2 : 404 )
السّمين :
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
بدل من ( الحميّة ) قبلها ، والحميّة : الأنفة من الشّيء . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وهي المنع ، ووزنها « فعيلة » وهو المصدر ، يقال :
حميت عن كذا حميّة . ( 6 : 165 )
الشّربينيّ : أي المنع الشّديد ، والإباء الّذي هو في شدّة حرّه ، ونفوذه في أشدّ الأجسام كالسّمّ والنّار . [ ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال : ]
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
بدل من ( الحميّة ) قبلها . ووزنها « فعيلة » وهي مصدر ، يقال : حميت من كذا حمية .
و
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
هي الّتي مدارها مطلق المنع ، سواء كان بحقّ أم باطل ، فتمنع من الإذعان للحقّ ، ومبناها على التّشفّي على مقتضى الغضب لغير اللّه ، فتوجب تخطّي حدود الشّرع ، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكّة المشرّفة لزيارة البيت العتيق الّذي النّاس فيه سواء .
( 4 : 53 )
أبو السّعود : أي الأنفة والتّكبّر متعلّق به أو بمعنى التّصيير ، فهو متعلّق بمحذوف هو مفعول ثان له ، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
بدل من الحميّة ، أي حميّة الملّة الجاهليّة ، أو الحميّة النّاشئة من الجاهليّة . ( 6 : 106 )
البروسويّ : أي الأنفة والتّكبّر « فعيلة » من : حمى من كذا حميّة ، إذا أنف منه . [ ثمّ ذكر كلام الرّاغب وأضاف : ]