مكّة في الصّدّ [ ثمّ ذكر قول الزّهريّ وقال : ]
وجعلها تعالى « حميّة جاهلية » لأنّها كانت بغير حجّة وفي غير موضعها ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لو جاءهم محاربا لعذرهم في حميّتهم ، وإنّما جاء معظّما للبيت لا يريد حربا ، فكانت حميّتهم جاهليّة صرفا . ( 5 : 138 )
ابن الجوزيّ : الحميّة : الأنفة والجبريّة . قال المفسّرون : وإنّما أخذتهم الحميّة حين أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخول مكّة ، فقالوا : يدخلون علينا وقد قتلوا أبناءنا وإخواننا ، فتتحدّث العرب بذلك ! واللّه لا يكون ذلك . ( 7 : 441 )
الطّبرسيّ : ( إذ ) يتعلّق بقوله : ( لعذّبنا ) الفتح : 25 ، أي لعذّبنا الّذين كفروا ، وإذنا لك في قتالهم حين جعلوا في قلوبهم الأنفة الّتي تحمي الإنسان ، أي حميت قلوبهم بالغصب ، ثمّ فسّر تلك الحميّة فقال :
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
أي عادة آبائهم في الجاهليّة أن لا يذعنوا لأحد ولا ينقادوا له ؛ وذلك أنّ كفّار مكّة قالوا : قد قتل محمّد وأصحابه آباءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا ، فتتحدّث العرب أنّهم دخلوا علينا على رغم أنفنا ، واللّات والعزّى لا يدخلونها علينا . فهذه الحميّة الجاهليّة الّتي دخلت قلوبهم . ( 5 : 126 )
الفخر الرّازيّ : ( إذ ) يحتمل أن يكون ظرفا ، فلا بدّ من فعل يقع فيه ويكون عاملا له ، ويحتمل أن يكون مفعولا به .
فإن قلنا : إنّه ظرف فالعمل الواقع فيه يحتمل أن يقال : هو مذكور ، ويحتمل أن يقال : هو مفهوم غير مذكور .
فإن قلنا : هو مذكور ، ففيه وجهان :
أحدهما : هو قوله تعالى :
وَصَدُّوكُمْ
أي وصدّوكم حين جعلوا في قلوبهم الحميّة .
وثانيها : قوله تعالى :
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
الفتح : 25 ، أي لعذّبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحميّة .
والثّاني أقرب لقربه لفظا وشدّة مناسبته معنى ، لأنّهم إذا جعلوا في قلوبهم الحميّة لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لمّا أنزل اللّه عليهم السّكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد ، واللّه مع المؤمنين فيعذّبونهم عذابا أليما أو غير المؤمنين .
وأمّا إن قلنا : إنّ ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان :
أحدهما : حفظ اللّه المؤمنين عن أن يطؤوهم وهم الّذين كفروا الّذين جعل في قلوبهم الحميّة .
وثانيهما : أحسن اللّه إليكم إذ جعل الّذين كفروا في قلوبهم الحميّة ، وعلى هذا فقوله تعالى :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
تفسير لذلك الإحسان .
وأمّا إن قلنا : إنّه مفعول به ، فالعامل مقدّر تقديره :
اذكر ، أي اذكر ذلك الوقت ، كما تقول : أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه كما تقول أتذكر زيدا . وعلى هذا يكون الظّرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه .
وفيه لطائف معنويّة ولفظيّة :
الأولى : هو أنّ اللّه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء :
أحدها : جعل ما للكافرين بجعلهم ، فقال :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
وجعل ما للمؤمنين بجعل اللّه ، فقال :