تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
أي أصابه ونزل به ، وفيه بحوث : 1 - فسّره ابن عبّاس بالوجوب ، وهو من قولهم : حقّ الأمر حقّا ، أي ثبت ووجب ، من مادّة ( ح ق ق ) ، ومنه قوله :
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
الحجّ : 18 . وقال ابن عطيّة : « قال قوم : أصل حاق « حقّ » ، فبدّلت القاف الواحدة كما بدّلت النّون في « تظنّنت » ، وهذا ضعيف » . وفسّره الضّحّاك بالإحاطة ، وهو اختيار الزّجّاج والزّمخشريّ وغيرهما ، وهو من قوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
الكهف : 29 ، وقوله :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ *
التّوبة : 49 والعنكبوت : 54 . وفسّره عطاء والطّبريّ بالحلول ، وهو قول لأبي السّعود أيضا ، من قوله :
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ
هود : 39 . وفسّره السّدّيّ بالوقوع ، أخذه من قوله :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
الطّور : 7 . وجمع الفرّاء بين الإحاطة والنّزول في تفسير الحيق ، وحذا حذوه كثير من المفسّرين ، كالطّبريّ وابن عطيّة وأبي السّعود والآلوسيّ وغيرهم . 2 - أسند الحيق إلى غير اللّه مجازا في ( 1 ) إلى ( 8 ) :
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، *
وهو لا يكون إلّا له تعالى ، كما قال في ( 9 )
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ،
والمسند إليه هو « ما » ، وهي إمّا اسم موصول في محلّ رفع فاعل ، وتقديره العذاب . وإمّا حرف مصدريّ ، والمصدر المؤوّل فاعل ، على حذف مضاف ، وتقديره : جزاء استهزائهم . كما أسند الحيق في ( 9 ) :
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ
إلى ( سوء العذاب ) ، وفي ( 10 ) :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
إلى ( المكر السّيّئ ) ، وهو مجاز أيضا ، قال الآلوسيّ : « إسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقليّ ، من قبيل : « أقدمني بلدك حقّ لي على فلان » إذ من المعلوم من مذهب أهل الحقّ أنّ المهلك ليس إلّا اللّه تعالى ، فإسناده إلى غيره لا يكون إلّا مجازا » . ثمّ ردّه بأنّه لا داعي إلى تفسيره بالإهلاك ، إلّا أن يكون مراده مؤدّى الكلام ، ثمّ ارتكب فيه التّجوّز بنحو آخر ، وهو أنّ الإحاطة تخصّ الأجسام ، ونسبت هنا إلى المعاني ، لأنّ العذاب من قبيل المعاني . ولكن فيه نظر ، لأنّ العقيدة استقرّت على الجزاء الجسمانيّ ثوابا وعقابا ، كما هو صريح الآيات . وفيها جميعا تجوّز آخر وهو حذف المضاف ، أي جزاء استهزائهم وجزاء مكرهم ، فنسب ما للمضاف إلى المضاف إليه . 3 - كان نزول العذاب على الكافرين في ( 1 - 8 ) جزاء لاستهزائهم بالرّسل والأنبياء ، وإصابة آل فرعون بسوء العذاب في ( 9 ) جزاء لمكرهم السّيّئ بموسى عليه السّلام ، وكذا إصابة الكافرين بالعذاب في ( 10 ) جزاء لمكرهم السّيّئ أيضا . 4 - سيقت الآيات ( 1 - 8 ) سياقا واحدا :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، *
سوى ( 1 ) و ( 4 ) ، فجاءتا على هذا النّسق
فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ *
فربط فيها جميعا بين الاستهزاء والحيق ، كما ربط في ( 9 و 10 ) بين مكر السّيّئ والحيق ، والاستهزاء أمر ظاهر ، والمكر أمر خفيّ ، إلّا أنّ ذلك الظّاهر منبعث عن هذا الخفيّ ، وبذلك أوجب الأمران إحاطة العذاب بهم الجسمانيّ والرّوحانيّ جميعا .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 492 | مجمع البحوث الاسلامية