تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨

الاستعمال القرآنيّ

جاءت منها كلمتان : « استحوذ » و « نستحوذ » كلّ منهما مرّة في آيتين : 1 -
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ . . .
المجادلة : 19 2 -
. . . قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
النّساء : 141 يلاحظ أوّلا أنّ الآيتين جاءتا إدانة للمنافقين ، إلّا أنّ الاستحواذ في ( 1 ) وقع بينهم وبين الشّيطان حيث استحوذ عليهم الشّيطان ، وفي ( 2 ) وقع بينهم وبين الكفّار حيث استحوذوا في الحروب على الكفّار ومنعوهم من المؤمنين . ثانيا في ( 1 ) بحوث : 1 - فسّر بالاستيلاء والغلبة والقوّة والإحاطة والحوز والجمع والضّمّ والتّملّك ، وهي معان متقاربة : فالاستيلاء من قولهم : حذت الإبل وحزتها ، إذا استوليت عليها وجمعتها ، والغلبة من : حاذ الحمار العانة ، إذا جمعها وساقها غالبا لها ، والجمع والضّمّ من : أحوذ الشّيء ، أي جمعه وضمّ بعضه إلى بعض . 2 - قرئ « استحاذ » وفقا للقياس ، لأنّ حركة ( الواو ) في ( استحوذ ) فتحة ، وهي عين الفعل ، و ( الحاء ) قبلها ساكنة ، فنقلت فتحة الواو إلى الحاء ، فانقلبت الواو ألفا ، لسكونها وانفتاح ما قبلها ، نحو : استعاذ واستحال . وأمّا ( استحوذ ) فهو عمّا جاء على أصله وشذّ عن القياس ، مثل : أجودت وأجدت ، وأطيبت وأطبت . قال الزّجّاج : « لكن ( استحوذ ) هاهنا أجود ، لأنّ الفعل في ذا المعنى لم يستعمل إلّا بزيادة » . 3 - عقّبت الآية استحواذ الشّيطان عليهم بإنسائهم ذكر اللّه
فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ،
تفريعا له على الاستحواذ ب « الفاء » ، وبيانا لكيفيّة الاستحواذ ، فلم يكن استحواذه عليهم بالغلبة على أبدانهم وأجسامهم ، بل بالغلبة على قلوبهم - وهي موضع ذكر اللّه - وقد جاء إنساء الشّيطان في آيات أخرى ، كما جاء فيها إضلاله ، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم ، وتزيين الأعمال لهم ، وعمليّة الوعد والتّنمية والتّخبّط والوسوسة والإغواء والنّزغ وأمثالها فيهم ، وكلّها من وساوس الشّيطان في القلوب ، وكلّها خطوات الشّيطان الّتي نهى اللّه المؤمنين في آيات عن اتّباعها ، فلاحظ ش ط ن : « شيطان » . 4 - كما عقّبته :
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ،
فكلّ من استحوذ الشّيطان على قلبه - بنحو من تلك الأنحاء - فهو من حزب الشّيطان . وقد جاء في ختام الآية :
أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ .
5 - جاء لفظ « سلطان » نظيرا لاستحواذ الشّيطان وإبليس على أوليائه ، وبدلا منه في آيات :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
الحجر : 42 . و
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
النّحل : 99 و 100 . و
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
الإسراء : 65 .