الحقّ في الطّرفين اختلاف الشّرائع بتحليل وتحريم في شيء واحد ، والكلام في مسائل الفروع إنّما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقرّرة لا يختلف فيها وإنّما يختلف في الأحكام المتعلّقة بالمشترع . ( 3 : 118 )
الفخر الرّازيّ : الثّابت ربوبيّته ثباتا لا ريب فيه ، وإذا ثبت أنّ هذا هو الحقّ ، وجب أن يكون ما سواه ضلالا ، لأنّ النّقيضين يمتنع أن يكونا حقّين وأن يكونا باطلين ، فإذا كان أحدهما حقّا ، وجب أن يكون ما سواه باطلا . ( 17 : 87 )
مثله الشّربينيّ . ( 2 : 18 )
القرطبيّ : فيه ثمان مسائل :
الأولى : قوله تعالى :
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
أي هذا الّذي يفعل هذه الأشياء هو ربّكم الحقّ ، لا ما أشركتم معه .
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ .
( ذا ) صلة أي ما بعد عبادة الإله الحقّ إذا تركت عبادته إلّا الضّلال .
قال بعض المتقدّمين : ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ ما بعد اللّه هو الضّلال ، لأنّ أوّلها
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
وآخرها
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
فهذا في الإيمان والكفر ، ليس في الأعمال .
وقال بعضهم : إنّ الكفر تغطية الحقّ ، وكلّ ما كان غير الحقّ جرى هذا المجرى ، فالحرام ضلال والمباح هدى ، فإنّ اللّه هو المبيح والمحرّم .
والصّحيح الأوّل ، لأنّ قبل
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
ثمّ قال :
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
أي هذا الّذي رزقكم ، وهذا كلّه فعله هو
رَبُّكُمُ الْحَقُّ
أي الّذي تحقّ له الألوهيّة ويستوجب العبادة ، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حقّ .
الثّانية - قال علماؤنا : حكمت هذه الآية بأنّه ليس بين الحقّ والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة الّتي هي توحيد اللّه تعالى ، وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي مسائل الأصول الّتي الحقّ فيها في طرف واحد ؛ لأنّ الكلام فيها إنّما هو في تعديد وجود ذات كيف هي ، وذلك بخلاف مسائل الفروع الّتي قال اللّه تعالى فيها :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
المائدة : 48 ، وقوله عليه السّلام : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » . والكلام في الفروع إنّما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقرّرة لا يختلف فيها وإنّما يختلف في الأحكام المتعلّقة بها .
الثّالثة : ثبت عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قام إلى الصّلاة في جوف اللّيل قال : « اللّهمّ لك الحمد » الحديث .
وفيه : « أنت الحقّ ووعدك الحقّ وقولك الحقّ ولقاؤك الحقّ والجنّة حقّ والنّار حق والسّاعة حقّ والنّبيّون حقّ ومحمّد حقّ » الحديث . فقوله : « أنت الحقّ » أي الواجب الوجود ، وأصله من حقّ الشّيء ، أي ثبت ووجب .
وهذا الوصف للّه تعالى بالحقيقة ؛ إذ وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ، وما عداه ممّا يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ،