تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 846

مساهمون:

ص٨٤٦
الحمد باعتبار الذّات المستجمع لجميع الصّفات ، فلعلّ منشأه هو أنّ الحمد لمّا اقتضى وصفا جميلا صالحا ، لأن يترتّب عليه الحكم باستحقاق الحمد ، ويكون محمودا عليه ، فحيث لم يذكر معه وصف كذلك ، ولم يدلّ عليه قرينة ، بل اكتفى بذكر الذّات المتّصف بجميع الصّفات الجميلة ، ثبت اعتبار الوصف الجميل هناك اقتضاء . ثمّ من أجل أنّ تعيين البعض بالاعتبار دون البعض الآخر لا يخلو عن لزوم التّرجيح بلا مرجّح ، يلزم اعتبار الصّفات الجميلة برمّتها ، فيكون الحمد باعتبار جميعها ، وحيث ذكر معه وصف جميل صالح لأن يكون محمودا عليه ، ودلّ عليه بعينه قرينة ، استغني عن ذلك الاعتبار ، لأنّ المصير إليه كان عن ضرورة ، ولا ضرورة حينئذ ، كما لا يخفى . ومن لم يهتد إلى الفرق بين ما وقع في القرآن المجيد لمقاصد ، وما وقع في خطب الكتب لمجرّد التّيمّن ، ولا إلى الفرق بين ما ذكر فيه المحمود عليه صريحا ، أو دلّت عليه بعينه قرينة ، وبين ما لم يكن كذلك ، ركب متن عمياء ، وخبط خبط عشواء ، فخلط مقتضيات بعض المقامات ببعض ، ولم يدر أنّ كلام اللّه تعالى على أيّ شرف ، وكلام غيره في أيّ واد . وقصارى الكلام ، أنّ ترتّب الحكم الّذي تضمّنته جملة
الْحَمْدُ لِلَّهِ *
هنا ، على الوصف المختصّ به سبحانه من خلق السّماوات والأرض وما عطف عليه ، يفيد الاختصاص القصريّ على الوجه الّذي تقدّم ، ويشير إلى ذلك كلام العلّامة البيضاويّ في تفسيره الآية لمن أمعن النّظر . إلّا أنّ ما ذكره عليه الرّحمة في أوّل سبأ من الفرق بين
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وبين
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
سبأ : 1 ، ممّا محصّله أنّ جملة
لَهُ الْحَمْدُ
جيء بها بتقديم الصّلة ، ليفيد القصر ، لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصّا به تعالى ، بخلاف جملة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ
إلخ فإنّها لم يجئ بها بتقديم الصّلة حتّى لا يفيد القصر ، لعدم كون الإنعام مختصّا به تعالى مطلقا ، بحيث لا مدخل فيه للغير ؛ إذ يكون بتوسّط الغير ، فيستحقّ ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب وساطته آب عنه . إذ حاصل ما ذكره في تلك السّورة ، هو أنّه لا قصر في جملة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ
بخلاف جملة
لَهُ الْحَمْدُ .
وحاصل ما أشار إليه في هذه ، وكذا في الفاتحة ، هو أنّ جملة
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إذا رّتّب على الأوصاف المختصّة كالخلق والجعل المذكورين مفيد للقصر أيضا ، غاية ما في البال ، أنّ طريق إفادة القصر في البابين متغاير ، ففي إحداهنّ تقديم الصّلة وفي الأخرى مفهوم العلّة ، فتدبّر ذاك ، واللّه تعالى يتولّى هداك . ( 7 : 77 ) رشيد رضا : افتتح اللّه تعالى كتابه بالحمد ، ثمّ افتتح به أربع سور مكّيّات أخرى ، مشتملة كلّ منها على دعوة الإسلام ومحاجّة المشركين فيها ، الأولى الأنعام ، وهي آخر سورة كاملة في آخر الرّبع الأوّل من القرآن ، والكهف ، وهي أوّل سورة في أوّل الرّبع الثّالث ، وسبأ ، وفاطر ، وهما آخر الرّبع الثّالث ، وليس في الرّبع الثّاني
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 846 | مجمع البحوث الاسلامية