تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 845

مساهمون:

ص٨٤٥
أو بالذّات البحت أوّلا على ما قيل ، وبالوصف ثانيا حتّى يكون بمثابة حمدين باعتبار العلّتين ، لأنّ لفظ الجلالة علم شخصيّ ولا دلالة له على الأوصاف بإحدى الدّلالات الثّلاث ، فكيف يكون محمودا عليه ، وعلّة لاستحقاق الحمد ، ولذلك لا يكاد يقع الحكم باستحقاق الحمد ، إلّا معلّلا بالأمور الواضحة الدّالّة على صفاته - سبحانه وتعالى - الجليلة ، وأفعاله الجميلة ، ولا يكتفى باسم الذّات ، اللّهمّ إلّا في تسبيحات المؤمنين وتحميداتهم ، لا في محاجّة المنكرين الّتي نحن بصدد بيانها ، وأيضا اقتضاء الذّات البحت من حيث هو الذّات ، ماذا يفيد في الاحتجاج على القوم الّذين عامّتهم لا يبصرون ولا يسمعون ، إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلّ . وأمّا ما يقال : إنّما قيل :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
بذكر اسم الذّات المستجمع لجميع الصّفات ، ولم يقل : للعالم أو للقادر إلى غير ذلك من الأسماء الدّالّة على الجلال أو الإكرام ، لئلّا يتوهّم اختصاص الحمد بوصف دون وصف ، فكلام مبنيّ على ما ظهر لك فساده ، من كون الذّات محمودا عليه . وقد يقال : إنّ ذكر اسم الذّات ليس إلّا ، لأنّ المشركين المحجوجين الجهّال لا يعرفونه تعالى ولا يذكرونه فيما بينهم ، ولا عند المحاجّة إلّا باسمه سبحانه العليم ، لا بالصّفات ، كما يدلّ على ذلك أنّه تحكي أجوبتهم بذكر ذلك الاسم الشّريف في عامّة السّؤالات ، إلّا ما قلّ ، حيث كان جوابهم فيه بغير اسم الذّات ، كقوله تعالى :
لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
الزّخرف : 9 . على أنّ البعض جعل هذا لازم مقولهم ، وما يدلّ عليه إجمالا أقيم مقامه ، فكأنّهم قالوا : اللّه ، كما حكى عنهم في مواضع ، وحينئذ فكأنّه قيل : الإله الّذي يعرفونه ويذكرونه بهذا الاسم هو المستحقّ للحمد ، لكونه خالق السّماوات والأرض ، ولكونه كذا وكذا . وإذا عرفت أنّ الذّات لا يلائم أن يكون محمودا عليه ، وإنّما الحقيق لأن يكون محمودا عليه هو الصّفات ، وأنّ ما يترتّب عليه الحمد في كلّ موضع بعض الصّفات بحسب اقتضاء المقام ، لا جميع الصّفات ، عرفت أنّ من ادّعى أنّ ترتيب الحمد على بعض الصّفات دون بعض ، يوهم اختصاص استحقاق الحمد بوصف دون وصف ، يلزم عليه أن يقع في الورطة الّتي فرّ منها ، كما لا يخفى . فالحقّ أنّ المحمود عليه هو الوصف الّذي رتّب عليه استحقاق الحمد ، وأنّ تخصيص بعض الأوصاف لأن يترتّب عليه استحقاق الحمد في بعض المواقع ، إنّما هو باقتضاء ذلك المقام إيّاه . فإن قلت : فما الرّأي في الحمد باعتبار الذّات البحت ، أو باعتبار استجماعه جميع الصّفات - على ما قيل - : هل له وجه أم لا ؟ قلت : أمّا كون الذّات الصّرف محمودا عليه ، وكذا كون الذّات محمودا عليه باستجماعه جميع الصّفات في أمثال هذه المواضع الّتي نحن فيها ، فلا وجه له . وأمّا ما ذكروه في شرح خطب بعض الكتب ، من أنّ