كان المستحقّ لكلّ أقسام الحمد هو اللّه ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
وثالثها : أنّ كلّ إحسان يقدم عليه أحد من الخلق ، فالانتفاع به لا يكمل إلّا بواسطة إحسان اللّه ، ألا ترى أنّه لولا أنّ اللّه تعالى خلق أنواع النّعمة ، وإلّا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير ، وأيضا فلو لا أنّه سبحانه أعطى الإنسان الحواسّ الخمس الّتي بها يمكنه الانتفاع بتلك النّعم ، وإلّا لعجز عن الانتفاع بها . ولولا أنّه سبحانه أعطاه المزاج الصّحيح والبنية السّليمة ، وإلّا لما أمكنه الانتفاع بها ، فثبت أنّ كلّ إحسان يصدر عن محسن سوى اللّه تعالى ، فإنّ الانتفاع به لا يكمل إلّا بواسطة إحسان اللّه تعالى . وعند هذا يظهر أنّه لا محسن في الحقيقة إلّا اللّه ، ولا مستحقّ للحمد إلّا اللّه ، فلهذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
ورابعها : أنّ الانتفاع بجميع النّعم لا يمكن إلّا بعد وجود المنتفع ، بعد كونه حيّا قادرا عالما ، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلّا من اللّه سبحانه .
والتّربية الأصليّة والأرزاق المختلفة لا تحصل إلّا من اللّه سبحانه من أوّل الطّفوليّة إلى آخر العمر . ثمّ إذا تأمّل الإنسان في آثار حكمة الرّحمان في خلق الإنسان ، ووصل إلى ما أودع اللّه تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح ، علم أنّها بحر لا ساحل له ، كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
النّحل : 18 ، فبتقدير : أن نسلّم أنّ العبد يمكنه أن ينعم على الغير ، إلّا أنّ نعم العبد كالقطرة ، ونعم اللّه لا نهاية لها أوّلا وآخرا ، وظاهرا وباطنا . فلهذا السّبب كان المستحقّ للحمد المطلق والثّناء المطلق ليس إلّا اللّه سبحانه ، فلهذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
المسألة الثّالثة : إنّما قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
ولم يقل :
أحمد اللّه ، لوجوه :
أحدها : أنّ الحمد صفة القلب ، وربّما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللّفظة حال كونه غافلا بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثّناء ، فلو قال في ذلك الوقت :
أحمد اللّه ، كان كاذبا ، واستحقّ عليه الذّمّ والعقاب ، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنّه ما كان موجودا . أمّا إذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
فمعناه : أنّ ماهيّة الحمد وحقيقته مسلّمة للّه تعالى . وهذا الكلام حقّ وصدق ، سواء كان معنى الحمد والثّناء حاضرا في قلبه ، أو لم يكن ، وكان تكلّمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة . فظهر الفرق بين هذين اللّفظين .
وثانيها : روي أنّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام يأمره بالشّكر ، فقال داود : يا ربّ وكيف أشكرك ؟ وشكري لك لا يحصل إلّا أن توفّقني لشكرك ، وذلك التّوفيق نعمة زائدة ، وإنّها توجب الشّكر لي أيضا ؛ وذلك يجرّ إلى ما لا نهاية له ، ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له . فأوحى اللّه تعالى إلى داود : لمّا عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني .
إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد : « أحمد اللّه » كان دعوى أنّه أتى بالحمد والشّكر ، فيتوجّه عليه ذلك السّؤال . أمّا لو قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فليس فيه ادّعاء أنّ