العبد أتى بالحمد والثّناء ، بل ليس فيه إلّا أنّه سبحانه مستحقّ للحمد والثّناء ، سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه ، فظهر التّفاوت بين هذين اللّفظين من هذا الوجه .
وثالثها : أنّه لو قال : « أحمد اللّه » ، كان ذلك مشعرا بأنّه ذكر حمد نفسه ، ولم يذكر حمد غيره . أمّا إذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أوّل خلق العالم إلى آخر استقرار المكلّفين في درجات الجنان ودركات النّيران ، كما قال تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 ، فكان هذا الكلام أفضل وأكمل .
المسألة الرّابعة : اعلم أنّ هذه الكلمة مذكورة في أوّل سور خمس ، أوّلها : الفاتحة ، فقال
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .
وثانيها : في أوّل هذه السّورة ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
والأوّل أعمّ ، لأنّ العالم عبارة عن كلّ موجود سوى اللّه تعالى ، فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يدخل فيه كلّ موجود سوى اللّه تعالى .
أمّا قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
لا يدخل فيه إلّا خلق السّماوات والأرض والظّلمات والنّور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التّحميد المذكور في أوّل هذه السّورة كأنّه قسم من الأقسام الدّاخلة تحت التّحميد المذكور في سورة الفاتحة ، وتفصيل لتلك الجملة .
وثالثها : سورة الكهف ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
وذلك أيضا تحميد مخصوص بنوع خاصّ من النّعمة ، وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة : النّعم الحاصلة بواسطة بعثة الرّسل .
ورابعها : سورة سبأ وهي قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ،
وهو أيضا قسم من الأقسام الدّاخلة تحت قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . *
وخامسها : سورة فاطر ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وظاهر أيضا أنّه قسم من الأقسام الدّاخلة تحت قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، *
فظهر أنّ الكلام الكلّيّ التّامّ هو التّحميد المذكور في أوّل الفاتحة ، وهو قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . *
وذلك لأنّ كلّ موجود فهو إمّا واجب الوجود لذاته ، وإمّا ممكن الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته واحد ؛ وهو اللّه سبحانه وتعالى ، وما سواه ممكن ، وكلّ ممكن .
فلا يمكن دخوله في الوجود إلّا بإيجاد اللّه تعالى وتكوينه ، والوجود نعمة ، فالإيجاد إنعام وتربية ، فلهذا السّبب قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، *
وأنّه تعالى المربّي لكلّ ما سواه ، والمحسن إلى كلّ ما سواه ، فذلك الكلام هو الكلام الكلّيّ الوافي بالمقصود . أمّا التّحميدات المذكورة في أوائل هذه السّور ، فكان كلّ واحد منها قسم من أقسام ذلك التّحميد ، ونوع من أنواعه . ( 12 : 142 )
القرطبيّ : بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه ، وإثبات الألوهيّة ، أي أنّ الحمد كلّه له فلا شريك له .
فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد للّه ، فكان