تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 790

مساهمون:

ص٧٩٠
حركة واحدة لا تزول علّتها ، نحو « حيث » جعلها بعض العرب مضمومة على كلّ حال ، وبعضهم يقول : « حوث » و « حيث » ضمّ وفتح . ونحو « قبل » و « بعد » جعلتا مضمومتين على كلّ حال . [ وقد أطال هذا البحث فلاحظ : « ق ب ل » ] ( 1 : 155 ) الطّبريّ : معنى
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الشّكر خالصا للّه جلّ ثناؤه ، دون سائر ما يعبد من دونه ودون كلّ ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النّعم الّتي لا يحصيها العدد ، ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرّزق ، وغذاهم به من نعيم العيش ، من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، ومع ما نبّههم عليه ، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام الخلود ، في دار المقام في النّعيم المقيم ، فلربّنا الحمد على ذلك كلّه أوّلا وآخرا . ولا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحكم ، لقول القائل : ( الحمد للّه ) شكرا بالصّحّة ، فقد تبيّن ؛ إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا أنّ الحمد للّه قد ينطق به في موضع الشّكر ، وأنّ الشّكر قد يوضع موضع الحمد ، لأنّ ذلك لو لم يكن كذلك ، لما جاز أن يقال : « الحمد للّه شكرا » ، فيخرج من قول القائل :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
مصدر « أشكر » ، لأنّ الشّكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يصدر من الحمد غير معناه وغير لفظه . فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الألف واللّام في الحمد ؟ وهلّا قيل : حمدا للّه ربّ العالمين ؟ قيل : إنّ لدخول الألف واللّام في الحمد معنى لا يؤدّيه قول القائل : « حمدا » ، بإسقاط الألف واللّام ، وذلك أنّ دخولهما في الحمد منبئ على أنّ معناه جميع المحامد ، والشّكر الكامل للّه . ولو أسقطتا منه ، لما دلّ إلّا على أنّ حمد قائل ذلك للّه ، دون المحامد كلّها ، إذ كان معنى قول القائل : « حمدا للّه » أو « حمد اللّه » : أحمد اللّه حمدا ، وليس التّأويل في قول القائل :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
تاليا سورة أمّ القرآن أحمد اللّه ، بل التّأويل في ذلك ما وصفنا قبل ، من أنّ جميع المحامد للّه بألوهيّته وإنعامه على خلقه ، بما أنعم به عليهم من النّعم ، الّتي لا كفاء لها في الدّين والدّنيا ، والعاجل والآجل . ولذلك من المعنى ، تتابعت قراءة القرّاء ، وعلماء الأمّة ، على رفع ( الحمد ) من
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
دون نصبها ، الّذي يؤدّي إلى الدّلالة على أنّ معنى تاليه كذلك ، أحمد للّه حمدا ، ولو قرأ قارئ ذلك بالنّصب ، لكان عندي محيلا معناه ، ومستحقّا العقوبة على قراءته إيّاه كذلك ، إذا تعمّد قراءته كذلك ، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله . فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ :
أحمد اللّه نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها ، ثمّ علّمناه لنقول ذلك . كما قال ووصف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذا :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؟
وهو عزّ ذكره معبود لا عابد ؟ أم ذلك من قيل : جبريل ، أو محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقد بطل أن يكون ذلك للّه كلاما .