1 - 3 -
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
الحجر : 26 - 33
4 -
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ . . .
الكهف : 86
يلاحظ أوّلا : أنّه قرن الحمأ بالصّلصال ، ووصف بالمسنون في ثلاث آيات من سورة الحجر ، وفيها بحوث :
1 - فسّر الصّلصال بالطّين اليابس ، والحمأ بالطّين الأسود المنتن ، والمسنون بالمتغيّر ، و ( من حمأ ) بدل من
مِنْ صَلْصالٍ
بإعادة الجارّ ، والتّقدير : خلقناه من حمأ مسنون . وقيل : هو في محلّ جرّ صفة لصلصال ، فيتعلّق بمحذوف .
فإن قيل : ما فائدة ذكر الحمأ إن كان بمعنى الصّلصال ، فهو يغني عنه ؟ نقول : هو مبيّن لجنس الصّلصال ، كقولهم : أخذت هذا من رجل من العرب .
2 - جاءت هذه الآيات في سورة مكّيّة بنسق واحد ، أي خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون . فذكر أوّلا بنحو الإجمال خلقة الإنسان - وهو مجموع الجسم والرّوح - في قبال خلقة الجانّ - وهو أيضا مجموع الجسم والرّوح - إلّا أنّه ركّز مادّة جسمهما فرقا بينهما ، فمادّة جسد الإنسان هو صلصال
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
ومادّة جسد الجانّ هو
نارِ السَّمُومِ
خلقه قبل خلقة الإنسان .
ثمّ بدأ بالتّفصيل : وهو أنّه قال للملائكة : إنّه يخلق بشرا ، أي جسدا من صلصال من حمأ مسنون ، فعبّر عنه ب ( بشرا ) لأنّه أراد به خلق جسده ، ثمّ ضمّ إليه نفخ روحه فيه ، ناسبا « الرّوح » إلى نفسه تشريفا له ، فأمر الملائكة بالسّجود له بعد خلقه سويّا - أي إنسانا تماما - فسجدوا كلّهم له إلّا إبليس فلم يسجد ، فلمّا قال اللّه له :
مالك لا تسجد ؟ اعتذر بأنّه لا يسجد لبشر خلقه من صلصال من حمأ مسنون ، فعبّر عنه - وهو حينئذ كان إنسانا ذا جسد وروح - ب « بشر » ونسبه إلى مادّة جسمه فقط ، تحقيرا له وتجنّبا عن عدّه إنسانا سويّا نفخ اللّه فيه من روحه .
وهذا نموذج من مغالطات الشّيطان ؛ حيث جعل نفسه أعلى من أن يسجد لبشر خلقه من صلصال من حمأ مسنون ، وقال :
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ . . .
أي لم يكن من شأني قديما وحديثا مثل هذا السّجود .
فاستوجب بذلك الرّجم واللّعن الدّائم إلى يوم الدّين ، كما جاء في الآيات بعدها .
3 - ويبدو أيضا أنّ ألفاظ : الطّين ، والمسنون ، والحمأ ، والصّلصال كانت أعرف في مكّة من المدينة ، لأنّها استعملت في مكّة فقط ، إلّا « صلصال » ، فقد جاء