الحليلة ، فنقول :
الحليلة : « فعيلة » فتكون بمعنى الفاعل ، أو بمعنى المفعول ، ففيه وجهان :
أحدهما : أن يكون مأخوذا من الحلّ الّذي هو الإباحة ، فالحليلة تكون بمعنى المحلّة ، أي المحلّلة ، ولا شكّ أنّ الجارية كذلك ، فوجب كونها حليلة له .
الثّاني : أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول ، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محلّ الحلول ، ولا شكّ أنّ الجارية موضع حلول السّيّد ، فكانت حليلة له .
أمّا إذا قلنا : الحليلة بمعنى الفاعل ، ففيه وجهان أيضا :
الأوّل : أنّها لشدّة اتّصال كلّ واحد منهما بالآخر ، فكأنّهما يحلّان في ثوب واحد ، وفي لحاف واحد ، وفي منزل واحد ، ولا شكّ أنّ الجارية كذلك .
الثّاني : أنّ كلّ واحد منهما كأنّه حالّ في قلب صاحبه وفي روحه ، لشدّة ما بينهما من المحبّة والألفة ، فثبت بمجموع ما ذكرناه أنّ جارية الابن حليلة .
وأمّا المقدّمة الثّانية : وهي أنّ حليلة الابن محرّمة على الأب ، لقوله تعالى :
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ .
لا يقال : إنّ أهل اللّغة يقولون : حليلة الرّجل :
زوجته ، لأنّا نقول : إنّا قد بيّنّا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظّاهرة أنّ لفظ الحليلة يتناول الجارية ، فالنّقل الّذي ذكر تموه لا يلتفت إليه ، فكيف وهو شهادة على النّفي ؟
فإنّا لا ننكر أنّ لفظ الحليلة يتناول الزّوجة ، ولكنّا نفسّره بمعنى يتناول الزّوجة والجارية ، فقول من يقول :
إنّه ليس كذلك شهادة على النّفي ولا يلتفت إليه . [ إلى أن قال : ]
المسألة الثّالثة : ظاهر قوله :
وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ . . .
لا يتناول حلائل الأبناء من الرّضاعة ، فلمّا قال في آخر الآية :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
لزم من ظاهر الآيتين حلّ التّزوّج بأزواج الأبناء من الرّضاع ، إلّا أنّه عليه السّلام قال : « يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب » فاقتضى هذا تحريم التّزوّج بحليلة الابن من الرّضاع ، لأنّ قوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ . . .
يتناول الرّضاع وغير الرّضاع ، فكان قوله : « يحرم من الرّضاع . . . » أخصّ منه ، فخصّصوا عموم القرآن بخبر الواحد ، واللّه أعلم .
المسألة الرّابعة : اتّفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ، كما أنّ حرمة التّزوّج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد ؛ وذلك لأنّ عموم الآية يتناول حليلة الابن ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن .
أمّا ما روي أنّ ابن عبّاس سئل عن قوله :
حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ
أنّه تعالى لم يبيّن أنّ هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها أو غير مخصوص بذلك ، فقال ابن عبّاس :
« أبهموا ما أبهمه اللّه » . فليس مراده من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة ، بل المراد من هذا الإبهام التّأييد . ألا ترى أنّه قال في السّبعة المحرّمة من جهة النّسب : إنّها من المبهمات ، أي من اللّواتي تثبت حرمتهنّ على سبيل التّأييد ، فكذا هاهنا ، واللّه أعلم .