من شعور بالفوقيّة ، - كما يحسّ به المعطي تجاه الفقير - بل هي حقّ يؤدّيه لصاحبه ، لأنّ المال للّه ، فإذا أراد اللّه من الإنسان أن يعطيه لأحد ، مستحبّا كان أو واجبا ، فإنّه يعطيه من موقع الحقّ ، لا من موقع التّفضّل ، ممّا يحفظ به للفقير كرامته ، وللمعطي روحيّته وإيمانه .
وهذا هو المعنى الّذي ينبغي للتّربية الإسلاميّة أن تؤكّده في ما تستهدفه من بناء الشّخصيّة المسلمة ، فعلى المسلم أن يحسّ دائما بأنّ عليه حقّا للنّاس في ماله ، وفي كلّ ما رزقه اللّه من طاقة ، على أساس ما للّه عليه من حقّ في ذلك كلّه ، فهو عندما يعطي ، فإنّما يؤدّي حقّ اللّه للآخرين . ( 9 : 343 )
2 -
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً .
الإسراء : 26
ابن عبّاس : أعط ذالقرابة حقّه . يقول : أمر بصلة القرابة . ( 235 )
هو أن تصل ذالقرابة والمسكين وتحسن إلى ابن السّبيل .
( الطّبريّ 15 : 72 )
الإمام عليّ بن الحسين عليهما السّلام : هم قرابة الرّسول . ( الطّوسيّ 6 : 468 )
[ وهذا من قبيل تأويل العامّ بالخاصّ ]
عكرمة : صلته الّتي تريد أن تصله بها ، ما كنت تريد أن تفعله إليه . ( الطّبريّ 15 : 71 )
الحسن : سأل رجل الحسن قال : أعطي قرابتي زكاة مالي ؟ فقال : إنّ لهم في ذلك لحقّا سوى الزّكاة ، ثمّ تلا هذه الآية
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
( الطّبريّ 15 : 71 )
السّدّيّ : قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام لرجل من أهل الشّام : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : أفما قرأت في بني إسرائيل
وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ
قال : وإنّكم للقرابة الّتي أمر اللّه جلّ ثناؤه أن يؤتى حقّه ؟ قال : نعم .
( الطّبريّ 15 : 72 )
الطّبريّ : اختلف أهل التّأويل في المعنيّ بقوله :
وَآتِ ذَا الْقُرْبى
فقال بعضهم : عنى به : قرابة الميّت من قبل أبيه وأمّه ، أمر اللّه جلّ ثناؤه عباده بصلتها .
وقال آخرون : بل عنى به قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأولى التّأويلين عندي بالصّواب تأويل من تأوّل ذلك أنّها بمعنى وصيّة اللّه عباده بصلة قرابات أنفسهم وأرحامهم ، من قبل آبائهم وأمّهاتهم ؛ وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ عقّب ذلك عقيب حضّه عباده على برّ الآباء والأمّهات ، فالواجب أن يكون ذلك حضّا على صلة أنسابهم ، دون أنساب غيرهم الّتي لم يجر لها ذكر .
وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : وأعط يا محمّد ذا قرابتك حقّه من صلتك إيّاه ، وبرّك به ، والعطف عليه ، وخرج ذلك مخرج الخطاب لنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد بحكمه : جميع من لزمته فرائض اللّه ، يدلّ على ذلك ابتداؤه الوصيّة بقوله جلّ ثناؤه :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما
الإسراء : 23 .
فوجّه الخطاب بقوله :
وَقَضى رَبُّكَ