تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
فضل اللّه : هناك حقّ مجعول للفقراء من قبل اللّه ، يوم حصاده ، ويوم قطعه ولعلّه اكتفى بالحصاد تغليبا ، وربّما كانت هذه الآية بداية لتشريع الضّريبة على الزّرع في الإسلام ، على سبيل الإجمال ، ثمّ جاء التّفصيل بعد ذلك عندما قنّنت الشّريعة بشكل تفصيليّ الأحكام الشّرعيّة ، وقد ذهب البعض إلى أنّها الزّكاة المشروعة ، ولكن بعضهم اعترض على ذلك ، بأنّ كثيرا ممّا ذكر في هذه الآية ، كالزّيتون والرّمّان ونحوهما ممّا ليس فيه زكاة ، وإنّنا نتحفّظ في هذا اللّون من الاعتراضات ، لأنّنا نعتبر أنّ القرآن هو الأساس في معرفة قضايا الشّريعة ، فليس من المألوف أن نردّ ظاهر آية بوجود حكم على خلافها لدى الفقهاء ، إلّا أن تكون المسألة ناشئة من اعتراض على أصل دلالة الآية ، أو وجود مخصّص لعمومها ، أو مقيّد لإطلاقها من دليل آخر . وقد جاء في « الدّرّ المنثور » عن ابن عبّاس في
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
قال : نسختها العشر ونصف العشر . ولكن يرد على ذلك ، ما ذكره العلّامة الطّباطبائيّ في تفسير « الميزان » بعد ذكره الرّواية ، قال : أقول : ليست النّسبة بين الآية وآية الزّكاة نسبة النّسخ ؛ إذ لا تنافي يؤدّي إلى النّسخ ، سواء قلنا بوجوب الصّدقة أو باستحبابها . وقد ذكروا أنّ حكم الزّكاة نزل في المدينة بينما الآية مكّيّة ، ممّا يبعد أن تكون الآية متعرّضة لحكم الزّكاة ، ولكن لقائل أن يقول : إنّ هذه الآية قد تكون واردة للحديث عن بعض الأنواع الّتي تجب فيها الزّكاة بطريقة خاصّة ، لتكون آية الزّكاة الآتية بعد ذلك واردة في بيان الحكم بشكل شموليّ ، لا سيّما وأنّ ظاهر الآية الوجوب . قد جاء في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ما يوحي بأنّ الحكم في هذه الآية وارد في الزّيادة عن الحقّ الواجب في الزّكاة ؛ بحيث كان ملحوظا حتّى في مورد تشريع الزّكاة . [ ونقل الرّوايتين عن الصّادقين عليهما السّلام ثمّ قال : ] وفي ضوء أمثال هذه الرّوايات ، لا بدّ من رفع اليد عن ظهور الآية في الوجوب لصراحتها في أنّ موردها هو مورد الصّدقة بمعناها العامّ الاستحبابيّ ، باعتبار أنّ الحقّ هنا هو الّذي يعطيه لا الّذي يؤخذ به . وعلى كلّ فإنّ الآية توحي بأنّ على صاحب الزّرع أن يؤدّي هذا الحقّ للفقراء والمساكين عند حصاده ، وقد جاء في تفسير العيّاشيّ عن الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام في الآية قال : أعط من حضرك من المسلمين ، فإن لم يحضرك إلّا مشرك فأعط . وهذا دليل على روح السّماحة والعطاء الّتي يريد الإسلام للإنسان المسلم أن يعيشها مع كلّ النّاس المحرومين ، سواء أكانوا من المسلمين أم كانوا من المشركين ، بروحيّة عطاء وإحساس بآلام الفقراء والمساكين ، من أيّ دين كانوا . وربّما كان التّعبير بكلمة ( حقّه ) في ما يعطيه الإنسان من الثّمر ، سواء أكان واجبا أم كان مستحبّا ، دلالة على أنّ قضيّة العطاء في الإسلام ليست منحة ذاتيّة تنطلق