وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الّذي أنطق اللّه به كتبه وبعث به رسله ، أو حقيقة الأمر وجليّة الحال من سعادة الميّت وشقاوته .
وقيل : الحقّ الّذي خلق له الإنسان أنّ كلّ نفس ذائقة الموت .
ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
المؤمنون : 20 ، أي وجاءت ملتبسة بالحقّ ، أي بحقيقة الأمر ، أو بالحكمة والغرض الصّحيح ، كقوله تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
الأنعام :
73 . ( 4 : 7 )
نحوه أبو حيّان ( 8 : 124 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 126 )
الفخر الرّازيّ : وقوله : ( بالحقّ ) يحتمل وجوها :
أحدها : أن يكون المراد منه : الموت ، فإنّه حقّ ، كأنّ شدّة الموت تحضر الموت ، والباء حينئذ للتّعدية . يقال :
جاء فلان بكذا ، أي أحضره .
وثانيها : أن يكون المراد من ( الحقّ ) ما أتى به من الدّين ، لأنّه حقّ ، وهو يظهر عند شدّة الموت . وما من أحد إلّا وهو في تلك الحالة يظهر الإيمان ، لكنّه لا يقبل إلّا ممّن سبق منه ذلك ، وآمن بالغيب . ومعنى المجيء به ، هو أنّه يظهره ، كما يقال : الدّين الّذي جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي أظهره . ولمّا كانت شدّة الموت مظهرة له قيل فيه : جاء به ، والباء حينئذ يحتمل أن يكون المراد منها ملبسة .
يقال : جئتك بأمل فسيح وقلب خاشع . ( 28 : 164 )
القرطبيّ : الإنسان ما دام حيّا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها ، ثمّ يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحقّ ، فيما كان اللّه تعالى وعده وأوعده .
وقيل : ( الحقّ ) هو الموت سمّي حقّا إمّا لاستحقاقه وإمّا لانتقاله إلى دار الحقّ ، فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : « جاءت سكرة الحقّ بالموت » وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي اللّه عنهما ، لأنّ « السّكرة » هي الحقّ ، فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللّفظين .
وقيل : يجوز أن يكون ( الحقّ ) على هذه القراءة هو اللّه تعالى ، أي جاءت سكرة أمر اللّه تعالى بالموت .
وقيل : ( الحقّ ) هو الموت ، والمعنى : وجاءت سكرة الموت بالموت ، ذكره المهدويّ . ( 17 : 12 )
الشّربينيّ : أي الأمر الثّابت الّذي يطابقه الواقع ، فلا حيلة في الاحتراس منه . وقيل : للميّت بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال . ( 4 : 84 )
القاسميّ : أي بالموعود الحقّ ، والأمر المحقّق ، وهو الموت ، فالباء للملابسة ، أو بالموعود الحقّ من أمر الآخرة ، والثّواب والعقاب الّذي غفل عنه ، فالباء للتّعدية ، أي أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر ، وهي أحوالها الباطنة ، وأظهرتها عليه . ( 15 : 5500 )
الطّباطبائيّ : وفي تقييد مجيء
سَكْرَةُ الْمَوْتِ
ب ( الحقّ ) إشارة إلى أنّ الموت داخل في القضاء الإلهيّ ، مراد في نفسه في نظام الكون ، كما يستفاد من قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
الأنبياء : 35 ، وقد