حفظ كتابه من هذين الوجهين :
أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم .
والثّاني : أن لا يضيّعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه .
المسألة الثّانية : الباء في قوله
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
فيه وجهان :
الأوّل : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا .
والثّاني : أن يكون المعنى : يحكمون بما استحفظوا . وهو قول الزّجّاج . ( 12 : 4 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 102 )
العكبريّ : يجوز أن يكون بدلا من قوله :
بِهَا
في قوله :
يَحْكُمُ بِهَا ،
وقد أعاد الجارّ لطول الكلام ، وهو جائز أيضا وإن لم يطل . ( 1 : 438 )
القرطبيّ : أي استودعوا من علمه . والباء متعلّقة ب
الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ
كأنّه قال : والعلماء بما استحفظوا ، أو تكون متعلّقة ب
يَحْكُمُ
أي يحكمون بما استحفظوا . ( 6 : 189 )
أبو حيّان : الباء في
بِمَا
للسّبب ، وتتعلّق بقوله :
يَحْكُمُ
واستفعل هنا للطّلب ، والمعنى : بسبب ما استحفظوا ، والضّمير في
اسْتُحْفِظُوا
عائد على النّبيّين والرّبّانيّين والأحبار ، أي بسبب ما طلب اللّه منهم بحفظهم لكتاب اللّه وهو التّوراة ، وكلّفهم حفظها ، وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها .
وقد أخذ اللّه على العلماء حفظ الكتاب من وجهين :
أحدهما : حفظه في صدورهم ودرسه بألسنتهم ، والثّاني :
حفظه بالعمل بأحكامه واتّباع شرائعه ، وهؤلاء ضيّعوا ما استحفظوا حتّى تبدّلت التّوراة .
وفي بناء الفعل للمفعول وكون الفعل للطّلب ، ما يدلّ على أنّه تعالى لم يتكفّل بحفظ التّوراة ، بل طلب منهم حفظها ، وكلّفهم بذلك ، فغيّروا وبدّلوا وخالفوا أحكام اللّه ، بخلاف كتابنا ، فإنّ اللّه تعالى قد تكفّل بحفظه ، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير . قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
الحجر : 9 .
وقيل : الضّمير في
اسْتُحْفِظُوا
عائد على الرّبّانيّين والأحبار فقط ، والّذين استحفظهم التّوراة هم الأنبياء . ( 3 : 491 )
ابن كثير : أي بما استودعوا من كتاب اللّه الّذي أمروا أن يظهروه ، ويعملوا به . ( 2 : 576 )
الشّربينيّ : [ نحو الفخر الرّازيّ إلّا أنّه قال : ]
والضّمير في
اسْتُحْفِظُوا
للأنبياء والرّبّانيّين والأحبار جميعا . ( 1 : 377 )
أبو السّعود : إنّما الرّبّانيّيون والأحبار خلفاء ونوّاب لهم في ذلك كما ينبئ عنه قوله :
بِمَا اسْتُحْفِظُوا
أي بالّذي استحفظوه من جهة النّبيّين وهو التّوراة ؛ حيث سألوهم أن يحفظوها من التّغيير والتّبديل على الإطلاق .
ولا ريب في أنّ ذلك منهم عليهم السّلام استخلاف لهم في إجراء أحكامها ، من غير إخلال بشيء منها .
وفي إبهامها أوّلا ثمّ بيانها ثانيا ، بقوله تعالى :
مِنْ كِتابِ اللَّهِ
- من تفخيمها وإجلالها ذاتا وإضافة ، وتأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها - ما لا يخفى . وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التّغيير من جهة الكتابة .