مثله المشهديّ ( 1 : 568 ) ، ونحوه الشّربينيّ ( 1 :
155 ) ، وأبو السّعود ( 1 : 281 ) ، وشبّر ( 1 : 244 ) ، والبروسويّ ( 1 : 372 ) .
أبو حيّان : قالوا : هذه الآية معترضة بين آيات المتوفّى عنها زوجها والمطّلقات ، وهي متقدّمة عليهنّ في النّزول ، متأخّرة في التّلاوة ورسم المصحف ، وشبّهوها بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
البقرة : 67 ، وبقوله :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
البقرة : 72 ، قالوا : فيجوز أن تكون مسوقة على الآيات الّتي ذكر فيها القتال ، لأنّه بيّن فيها أحوال الصّلاة في حال الخوف .
قالوا : وجاء ما هو متعلّق بأبعد من هذا ، زعموا أنّ قوله تعالى :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ
النّساء : 123 ، ردّا لقوله :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
البقرة : 111 .
قالوا : وأبعد منه
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ
المعارج : 1 ، راجع إلى قوله :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
الأنفال : 32 ، الآية .
قالوا : ويجوز أن يكون حدث خوف قبل إنزال إتمام أحكام المطلّقات ، فبيّن تعالى أحكام صلاة الخوف عند مسيس الحاجة إلى بيانه ، ثمّ أنزل إتمام أحكام المطلّقات .
قالوا : ويجوز أن تكون متقدّمة في التّلاوة ورسم المصحف ، متأخّرة في النّزول قبل هذه الآيات ، على قوله بعد هذه الآية :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . *
وهذه كلّها أقوال كما ترى .
والّذي يظهر في المناسبة أنّه تعالى لمّا ذكر جملة كثيرة من أحوال الأزواج والزّوجات ، وأحكامهم في النّكاح والوطء والإيلاء والطّلاق ، والرّجعة والإرضاع والنّفقة والكسوة ، والعدد والخطبة والمتعة ، والصّداق والتّشطّر وغير ذلك ، كانت تكاليف عظيمة تشغل من كلّفها أعظم شغل ؛ بحيث لا يكاد يسع معها شيء من الأعمال ، وكان كلّ من الزّوجين قد أوجب عليه للآخر ما يستفرغ فيه الوقت ويبلغ منه الجهد ، وأمر كلّا منهما بالإحسان إلى الآخر حتّى في حالة الفراق ، وكانت مدعاة إلى التّكاسل عن الاشتغال بالعبادة إلّا لمن وفّقه اللّه تعالى .
أمر تعالى بالمحافظة على الصّلوات الّتي هي الوسيلة بين اللّه وبين عبده . وإذا كان قد أمر بالمحافظة على أداء حقوق الآدميّين ، فلأن يؤمر بأداء حقوق اللّه أولى وأحقّ ، ولذلك جاء « فدين اللّه أحقّ أن يقضى » فكأنّه قيل : لا يشغلنّكم التّعلّق بالنّساء وأحوالهنّ عن أداء ما فرض اللّه عليكم ، فمع تلك الأشغال العظيمة لا بدّ من المحافظة على الصّلاة حتّى في حالة الخوف ، فلا بدّ من أدائها رجالا وركبانا ، وإن كانت حالة الخوف أشدّ من حالة الاشتغال بالنّساء ، فإذا كانت هذه الحالة الشّاقّة جدّا لا بدّ معها من الصّلاة ، فأحرى ما هو دونها من الأشغال المتعلّقة بالنّساء .
وقيل : مناسبة الأمر بالمحافظة على الصّلوات عقيب الأوامر السّابقة أنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فيكون ذلك عونا لهم على امتثالها ، وصونا لهم عن مخالفتها . وقيل : وجه ارتباطها بما قبلها وبما بعدها أنّه لمّا أمر تعالى بالمحافظة على حقوق الخلق بقوله :
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
البقرة : 237 ، ناسب أن يأمر بالمحافظة على حقوق الحقّ .