هذا الطّريق واجبا عليه ، ولمّا كان واجبا سقطت الأسئلة بالكلّيّة .
وأمّا ترك الاستثناء فقال الواحديّ : كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة ، وهي أنّه تعالى أخّر عنه حصول ذلك المقصود سنة .
وأقول : لعلّ السّبب فيه أنّه لو ذكر هذا الاستثناء لا عتقد فيه الملك أنّه إنّما ذكره لعلمه بأنّه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي ، فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء .
وأمّا قوله : لم مدح نفسه ؟ فجوابه من وجوه :
الأوّل : لا نسلّم أنّه مدح نفسه ، لكنّه بيّن كونه موصوفا بهاتين الصّفتين النّافعتين ، في حصول هذا المطلوب ، وبين البابين فرق ، وكأنّه قد غلب على ظنّه أنّه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف ، لأنّ الملك وإن علم كماله في علوم الدّين ، لكنّه ما كان عالما بأنّه يفي بهذا الأمر .
ثمّ نقول : هب أنّه مدح نفسه إلّا أنّ مدح النّفس إنّما يكون مذموما إذا قصد الرّجل به التّطاول والتّفاخر ، والتّوصّل إلى غير ما يحلّ ، فأمّا على غير هذا الوجه فلا نسلّم أنّه محرّم ، فقوله تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
النّجم : 32 ، المراد منه : تزكية النّفس حال ما يعلم كونها غير متزكّية ، والدّليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية :
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى .
أمّا إذا كان الإنسان عالما بأنّه صدق وحقّ ، فهذا غير ممنوع منه ، واللّه أعلم .
قوله : ما الفائدة في وصفه نفسه بأنّه حفيظ عليم ؟
قلنا : إنّه جار مجرى أن يقول : حفيظ بجميع الوجوه الّتي منها يمكن تحصيل الدّخل والمال . عليم بالجهات الّتي تصلح لأن يصرف المال إليها . ويقال : حفيظ بجميع مصالح النّاس ، عليم بجهات حاجاتهم ، أو يقال : حفيظ لوجوه أياديك وكرمك ، عليم بوجوب مقابلتها بالطّاعة والخضوع . وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده . ( 18 : 160 )
نحوه النّيسابوريّ ( 13 : 19 ) ، والشّربينيّ ( 2 : 116 ) .
ابن كثير : أي خازن أمين . ( 4 : 34 )
البروسويّ : أي حافظ نفسي فيها عمّا يضرّها ، عليم بنفعها وضرّها ، واستعمالها فيما ينفع ولا يضرّ .
( 4 : 283 )
الآلوسيّ : [ ذكر بعض الأقوال ثمّ قال : ]
وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحقّ إذا جهل أمره ، وجواز طلب الولاية إذا كان الطّالب ممّن يقدر على إقامة العدل ، وإجراء أحكام الشّريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر ، وربّما يجب عليه الطّلب إذا توقّف على ولايته إقامة واجب مثلا ، وكان متعيّنا لذلك .
( 13 : 5 )
المراغيّ : أي إنّي شديد الحفظ لما يخزن فيها ، فلا يضيع منه شيء ، أو يوضع في غير موضعه ، عليم بوجوه تصريفه وحسن الانتفاع به . ( 13 : 6 )
ابن عاشور : علّل طلبه ذلك بقوله :
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
المفيد تعليل ما قبلها ، لوقوع ( انّ ) في صدر الجملة ، فإنّه علم أنّه اتّصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في النّاس بل كلتيهما ، وهما : الحفظ لما يليه ، والعلم بتدبير ما يتولّاه ، ليعلم الملك أنّ مكانته لديه وائتمانه إيّاه قد صادفا محلّهما وأهلهما ، وأنّه حقيق بهما ، لأنّه متّصف بما يفي