فإن قلت : كيف جاز أن يتولّى عملا من يد كافر ويكون تبعا له وتحت أمره وطاعته ؟
قلت : روى مجاهد أنّه كان قد أسلم . وعن قتادة : هو دليل على أنّه يجوز أن يتولّى الإنسان عملا من يد سلطان جائر ، وقد كان السّلف يتولّون القضاء من جهة البغاة ويرونه ، وإذا علم النّبيّ أو العالم أنّه لا سبيل إلى الحكم بأمر اللّه ودفع الظّلم إلّا بتمكين الكافر أو الفاسق ، فله أن يستظهر به .
وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كلّ ما رأى ، فكان في حكم التّابع له والمطيع .
( 2 : 328 )
مثله النّسفيّ . ( 2 : 227 )
ابن عطيّة : صفتان تعمّ وجوه التّثقيف والحيطة ، لا خلل معهما لعامل . وقد خصّص النّاس بهاتين الصّفتين أشياء ، مثل قولهم : حفيظ بالحساب عليم بالألسن ، وقول بعضهم : حفيظ لما استودعتني عليم بسنيّ الجوع . وهذا كلّه تخصيص لا وجه له ، وإنّما أراد باتّصافه أن يعرف الملك بالوجه الّذي به يستحقّ الكون على خزائن الأرض ، فاتّصف بأنّه يحفظ المجبي من كلّ جهة تحتاج إلى الحفظ ، ويعلم التّناول أجمع . ( 3 : 256 )
نحوه أبو حيّان . ( 5 : 319 )
الفخر الرّازيّ : فيه مسائل :
المسألة الأولى : [ ذكر فيها تفسير يوسف لرؤيا الملك . . . ]
المسألة الثّانية : لقائل أن يقول : لم طلب يوسف الإمارة والنّبيّ عليه الصّلاة والسّلام قال لعبد الرّحمان بن سمرة : « لا تسأل الإمارة » ؟ وأيضا فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر ؟ وأيضا لم لم يصبر مدّة ولم أظهر الرّغبة في طلب الإمارة في الحال ؟ وأيضا لم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر ، مع أنّ هذا يورث نوع تهمة ؟ وأيضا كيف جوّز من نفسه مدح نفسه بقوله :
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
مع أنّه تعالى يقول :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ؟
النّجم : 32 .
وأيضا فما الفائدة في قوله :
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ؟
وأيضا لم ترك الاستثناء في هذا ، فإنّ الأحسن أن يقول : إنّي حفيظ عليم إن شاء اللّه ، بدليل قوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ؟
الكهف : 23 ، 24 ، فهذه أسئلة سبعة لا بدّ من جوابها .
فنقول : الأصل في جواب هذه المسائل أنّ التّصرّف في أمور الخلق كان واجبا عليه ، فجاز له أن يتوصّل إليه بأيّ طريق كان ، إنّما قلنا : إنّ ذلك التّصرّف كان واجبا عليه لوجوه :
الأوّل : أنّه كان رسولا حقّا من اللّه تعالى إلى الخلق ، والرّسول يجب عليه رعاية مصالح الأمّة بقدر الإمكان .
والثّاني : وهو أنّه عليه السّلام علم بالوحي أنّه سيحصل القحط والضّيق الشّديد الّذي ربّما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم ، فلعلّه تعالى أمره بأن يدبّر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقلّ ضرر ذلك القحط في حقّ الخلق .
والثّالث : أنّ السّعي في إيصال النّفع إلى المستحقّين ودفع الضّرر عنهم ، أمر مستحسن في العقول .
وإذا ثبت هذا ، فنقول : إنّه عليه السّلام كان مكلّفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلّا بهذا الطّريق ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به ، فهو واجب ، فكان