على أنّه مبتدأ حذف خبره ، لدلالة ما تقدّم عليه ، أي حلّ لكم أيضا ، والمراد بهنّ : الحرائر العفائف ، وتخصيصهنّ بالذّكر للبعث على ما هو الأولى ، لا لنفي ما عداهنّ ، فإنّ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتّفاق ، وكذا نكاح غير العفائف منهنّ . وأمّا الإماء الكتابيّات فهنّ كالمسلمات عند أبي حنيفة رضى اللّه عنه ، خلافا للشّافعيّ رضى اللّه عنه
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ . . .
أي هنّ أيضا حلّ لكم وإن كنّ حربيّات . وقال ابن عبّاس :
« لا تحلّ الحربيّات » . ( 2 : 240 )
نحوه البروسويّ ( 2 : 348 ) ، والآلوسيّ ( 6 : 65 ) .
الطّباطبائيّ : الإتيان في متعلّق الحكم بالوصف ، أعني ما في قوله :
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
من غير أن يقال : من اليهود والنّصارى مثلا ، أو يقال : من أهل الكتاب ، لا يخلو من إشعار بالعلّيّة ، واللّسان لسان الامتنان ، والمقام مقام التّخفيف والتّسهيل ، فالمعنى : إنّا نمتنّ عليكم بالتّخفيف والتّسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم والمحصنات من نساء أهل الكتاب ، لكونهم أقرب إليكم من سائر الطّوائف غير المسلمة ، وهم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتّوحيد والرّسالة ، بخلاف المشركين والوثنيّين المنكرين للنّبوّة ، ويشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله :
أُوتُوا الْكِتابَ
بقوله :
مِنْ قَبْلِكُمْ
فإنّ فيه إشعارا واضحا بالخطط والمزج والتّشريك .
وكيف كان لمّا كانت الآية واقعة موقع الامتنان والتّخفيف ، لم تقبل النّسخ بمثل قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
البقرة : 221 ، وقوله تعالى :
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ
الممتحنة :
10 ، وهو ظاهر .
على أنّ الآية الأولى واقعة في سورة البقرة ، وهي أوّل سورة مفصّلة نزلت بالمدينة قبل المائدة ، وكذا الآية الثّانية واقعة في سورة الممتحنة ، وقد نزلت بالمدينة قبل الفتح ، فهي أيضا قبل المائدة نزولا ، ولا وجه لنسخ السّابق للّاحق مضافا إلى ما ورد : أنّ المائدة آخر ما نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فنسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شيء .
على أنّك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . . .
في الجزء الثّاني من الكتاب : أنّ الآيتين - أعني آية البقرة وآية الممتحنة - أجنبيّتان من الدّلالة على حرمة نكاح الكتابيّة .
ولو قيل : بدلالة آية الممتحنة بوجه على التّحريم ، كما يدلّ على سبق المنع الشّرعيّ ورود آية المائدة في مقام الامتنان والتّخفيف - ولا امتنان ولا تخفيف لو لم يسبق منع - كانت آية المائدة هي النّاسخة لآية الممتحنة لا بالعكس ، لأنّ النّسخ شأن المتأخّر ، وسيأتي في البحث الرّوائيّ كلام في الآية الثّانية .
ثمّ المراد ب ( المحصنات ) في الآية : العفائف ، وهو أحد معاني الإحصان ؛ وذلك أنّ قوله :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
يدلّ على أنّ المراد ب ( المحصنات ) غير ذوات الأزواج وهو ظاهر ، ثمّ الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب والمؤمنات على ما مرّ من توضيح معناها ،