الفرّاء : العرب تقول للّذي يمنعه من الوصول إلى إتمام حجّه أو عمرته خوف أو مرض ، وكلّ ما لم يكن مقهورا كالحبس والسّجن ، يقال للمريض : قد أحصر ، وفي الحبس والقهر : قد حصر . فهذا فرق بينهما .
ولو نويت في قهر السّلطان أنّها علّة مانعة ولم تذهب إلى فعل الفاعل ، جاز لك أن تقول : قد أحصر الرّجل .
ولو قلت في المرض وشبهه : إنّ المرض قد حصره أو الخوف ، جاز أن تقول : حصرتم .
وقوله : ( وسيّدا وحصورا ) آل عمران : 39 ، يقال : إنّه المحصر عن النّساء ، لأنّها علّة وليس بمحبوس . فعلى هذا فابن . ( 1 : 117 )
أبو عبيدة : أي إن قام بكم بعير ، أو مرضتم ، أو ذهبت نفقتكم ، أو فاتكم الحجّ ، فهذا كلّه محصر .
والمحصور : الّذي جعل في بيت ، أو دار ، أو سجن .
( 1 : 69 )
ابن قتيبة :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
من الإحصار ، وهو أن يعرض للرّجل ما يحول بينه وبين الحجّ من مرض أو كسر أو عدوّ ، يقال : أحصر الرّجل إحصارا فهو محصر .
فإن حبس في سجن أو دار قيل : قد حصر فهو محصور . ( 78 )
الطّبريّ : اختلف أهل التّأويل في « الإحصار » الّذي جعل اللّه على من ابتلى به في حجّه وعمرته ما استيسر من الهدي ، فقال بعضهم : هو كلّ مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الّذي فرضه اللّه عليه في إحرامه ، ووصوله إلى البيت الحرام . [ ثمّ ذكر قول ابن عبّاس وغيره وأضاف : ]
وعلّة من قال بهذه المقالة أنّ الإحصار معناه في كلام العرب : منع العلّة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة من قاهر أو غالب ، إلّا غلبة علّة من مرض أو لدغ أو جراحة ، أو ذهاب نفقة أو كسر راحلة .
فأمّا منع العدوّ وحبس حابس في سجن ، وغلبة غالب حائل بين المحرم والوصول إلى البيت من سلطان أو إنسان قاهر مانع ، فإنّ ذلك إنّما تسمّيه العرب : حصرا لا إحصارا . قالوا : وممّا يدلّ على ذلك قول اللّه جلّ ثناؤه :
وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
يعني به حاصرا ، أي حابسا . قالوا : ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل الّتي وصفنا يسمّى إحصارا ، لوجب أن يقال : قد أحصر العدوّ . قالوا : وفي اجتماع لغات العرب على حوصر العدوّ والعدوّ محاصر دون أحصر العدوّ وهم محصرون وأحصر الرّجل بالعلّة من المرض والخوف ، أكبر الدّلالة على أنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما عنى بقوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
بمرض أو خوف أو علّة مانعة .
قالوا : وإنّما جعلنا حبس العدوّ ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت ، بمعنى حصر المرض قياسا ، على ما جعل اللّه جلّ ثناؤه من ذلك للمريض الّذي منعه المرض من الوصول إلى البيت ، لا بدلالة ظاهر قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
إذ كان حبس العدوّ والسّلطان والقاهر علّة مانعة نظيرة العلّة المانعة من المرض والكسر .
وقال آخرون : معنى قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
فإن حبسكم عدوّ عن الوصول إلى البيت ، أو حابس قاهر من بني آدم .