قالوا : فأمّا العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها فإنّ ذلك غير داخل في قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ . . . .
[ ونقل قول مالك ثمّ قال : ]
وعلّة من قال هذه المقالة ، أعني من قال قول مالك :
إنّ هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول اللّه وأصحابه عن البيت ، فأمر اللّه نبيّه ومن معه بنحر هداياهم والإحلال ، قالوا : فإنّما أنزل اللّه هذه الآية في حصر العدوّ ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الّذي نزلت فيه .
قالوا : وأمّا المريض فإنّه إذا لم يطق لمرضه السّير حتّى فاتته عرفة ، فإنّما هو رجل فاته الحجّ ، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحجّ ، وليس من معنى المحصر الّذي نزلت هذه الآية في شأنه .
وأولى التّأويلين بالصّواب في قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
تأويل من تأوّله بمعنى : فإن أحصركم خوف عدوّ أو مرض أو علّة عن الوصول إلى البيت ، أي صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم فتحبسونها عن النّفوذ ، لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحجّ والعمرة . فلذا قيل : ( أحصرتم ) لما أسقط ذكر الخوف والمرض يقال منه : أحصرني خوفي من فلان عن لقائك ، ومرضي عن فلان ، يراد به جعلني أحبس نفسي عن ذلك . فأمّا إذا كان الحابس الرّجل والإنسان قيل :
حصرني فلان عن لقائك ، بمعنى حبسني عنه .
فلو كان معنى الآية ما ظنّه المتأوّل من قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلى البيت ، لوجب أن يكون ( فان حصرتم ) .
وممّا يبيّن صحّة ما قلناه من أنّ تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدوّ ، وأنّه إنّما يراد بها الخوف من العدوّ ، قوله :
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
والأمن إنّما يكون بزوال الخوف ، وإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أنّ الإحصار الّذي عنى اللّه في هذه الآية ، هو الخوف الّذي يكون بزواله الأمن .
وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن حبس الحابس الّذي ليس مع حبسه خوف على النّفس من حبسه ، داخلا في حكم الآية بظاهرها المتلوّ ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس ، من أجل أنّ حبس من لا خوف على النّفس من حبسه كالسّلطان غير المخوفة عقوبته ، والوالد وزوج المرأة وإن كان منهم ، أو من بعضهم حبس ومنع عن الشّخوص لعمل الحجّ ، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام ، غير داخل في ظاهر قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
لما وصفنا من أنّ معناه : فإن أحصركم خوف عدوّ ، بدلالة قوله :
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ،
وقد بيّن الخبر الّذي ذكرنا آنفا عن ابن عبّاس أنّه قال : الحصر : حصر العدوّ .
وإذ كان ذلك أولى التّأويلين بالآية لما وصفنا ، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت ، فكلّ مانع عرض للمحرم فصدّه عن الوصول إلى البيت ، فهو له نظير في الحكم . ( 2 : 212 )
الجصّاص : [ حكى قول أهل اللّغة في اختصاص الإحصار بالمرض وذهاب النّفقة ، والحصر بحصر العدوّ وأيّده برواية ابن عبّاس المتقدّمة ثمّ قال : ]
وقد اختلف السّلف في حكم المحصر على ثلاثة