الإحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتدّ للمذكور في قوله :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
الآية ، فإنّ الإنفاق ونحوه إذا لم يكن لوجه اللّه لم يكن له منزلة عند اللّه سبحانه ، على ما يدلّ عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات :
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا
آل عمران : 117 ، وغيره .
ويدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا . . .
العنكبوت : 69 ، فإنّ هذا الجهاد هو بذل الجهد ، ولا يكون إلّا فيما يخالف هوى النّفس ومقتضى الطّبع ، ولا يكون إلّا إذا كان عندهم إيمان بأمور يقتضي الجري على مقتضاها ، والثّبات عليها مقاومة بإزاء ما يحبّه طبع الإنسان ويشتهيه نفسه .
ولازمه بحسب القول والاعتقاد أن يكونوا قائلين :
ربّنا اللّه ، وهم مستقيمون عليه ، وبحسب العمل أن يقيموا هذا القول بالجهاد في عبادة اللّه فيما بينهم وبين اللّه ، وبالإنفاق وحسن العشرة فيما بينهم وبين النّاس ، فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الإحسان إتيان الأعمال على وجه الحسن من جهة الاستقامة ، والثّبات على الإيمان باللّه سبحانه . ( 4 : 20 )
فضل اللّه : قد تكون هذه صفة رابعة ، توحي بأنّ العفو وحده لا يكفي في إزالة النّتائج السّلبيّة إزاء الحالة النّفسيّة الّتي أوجدها الغيظ ، فلا بدّ من الإحسان لتتحوّل السّلبيّات إلى إيجابيّات . ( 6 : 272 )
7 -
. . وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
المائدة : 13
ابن عبّاس : إذا عفوت فأنت محسن .
( الواحديّ 2 : 168 )
نحوه الخازن . ( 2 : 23 )
الواحديّ : المعافين المتجاوزين . ( 2 : 168 )
الفخر الرّازيّ : وفيه وجهان :
الأوّل : قال ابن عبّاس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبّك اللّه .
والثّاني : أنّ المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيّون بقوله :
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
وهم الّذين نقضوا عهد اللّه .
والقول الأوّل أولى ، لأنّ صرف قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
على القول الأوّل إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصّفح ، وعلى القول الثّاني إلى غير الرّسول ، ولا شكّ أنّ الأوّل أولى .
( 11 : 188 )
البيضاويّ : تعليل للأمر بالصّفح وحثّ عليه ، وتنبيه على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره . ( 1 : 267 )
نحوه الشّربينيّ ( 1 : 362 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 249 ) ، والبروسويّ ( 2 : 366 ) ، وشبّر ( 2 : 155 ) .
أبو حيّان : وفسّر قوله :
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ :
بالعافين عن النّاس ، وبالّذين أحسنوا عملهم بالإيمان .
( 3 : 446 )
راجع : « ع ف و - فاعف »
8 -
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً