الخيرات والعبادات .
وأمّا دفع الضّرر عن الغير ، فهو إمّا في الدّنيا ، وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ .
وإمّا في الآخرة وهو أن يبرئ ذمّته عن التّبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ،
فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالّة على جميع جهات الإحسان إلى الغير .
ولمّا كانت هذه الأمور الثّلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ، ذكر ثوابها ، فقال :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ،
فإنّ محبّة اللّه للعبد أعمّ درجات الثّواب .
( 9 : 8 )
نحوه النّيسابوريّ ( 4 : 68 ) ، والخازن ( 1 : 352 ) .
أبو حيّان : [ مثل الزّمخشريّ وقال : ]
والأظهر الأوّل ، فيعمّ هؤلاء وغيرهم . [ ثمّ قال نحو ابن عطيّة وأضاف : ]
والمعنى أنّ اللّه يحبّ المحسنين ، وهم الّذين يوقعون الأعمال الصّالحة مراقبين اللّه ، كأنّهم مشاهدوه .
( 3 : 58 )
أبو السّعود : اللّام إمّا للجنس ، وهم داخلون فيه دخولا أوّليّا ، وإمّا للعهد ، عبّر عنهم ب ( المحسنين ) إيذانا بأنّ النّعوت المعدودة من باب الإحسان الّذي هو الإتيان بالأعمال ، على الوجه اللّائق الّذي هو حسنها الوصفيّ المستلزم لحسنها الذّاتيّ ، وقد فسّره عليه السّلام بقوله :
« أن تعبد اللّه . . . » والجملة تذييل يقرّر مضمون ما قبلها . ( 2 : 33 )
نحوه الآلوسيّ ( 4 : 59 ) ، والقاسميّ ( 4 : 975 ) .
البروسويّ : الّذين عمّت فواضلهم ، وتمّت فضائلهم . [ ثمّ أضاف مثل الفخر الرّازيّ ] ( 2 : 94 )
رشيد رضا : فالإحسان وصف من أوصاف المتّقين ، ولم يعطفه على ما سبقه من الصّفات بل صاغه بهذه الصّيغة تمييزا له ، بكونه محبوبا عند اللّه تعالى ، لا لمزيد مدح من ذكر من المتّقين المتّصفين بالصّفات السّابقة ، ولا مجرّد مدح المحسنين الّذي يدخل في عمومه أولئك المتّقون ، كما قيل : فالّذي يظهر لي هو ما أشرت إليه من أنّه وصف رابع . للمتّقين . ( 4 : 135 )
المراغيّ : الاحسان هنا الإنعام والتّفضّل على غيرك ، على وجه لا مذمّة فيه ولا قبح . . . أي واللّه يحبّ الّذين يتفضّلون على عباده البائسين ، ويواسونهم ببعض ما أنعم اللّه به عليهم ، شكرا له على جزيل نعمائه . [ ثمّ استشهد بحديث ، وأدام نحو الفخر الرّازيّ ] ( 4 : 64 )
ابن عاشور : [ فسّر الصّفات الثّلاثة المذكورة في الآية ثمّ قال : ] وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ، ولذلك ذيّل اللّه تعالى ذكرها بقوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ،
لأنّه دالّ على تقدير أنّهم بهذه الصّفات محسنون ، واللّه يحبّ المحسنين . ( 3 : 222 )
الطّباطبائيّ : وفي قوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
إشارة إلى أنّ ما ذكره من الأوصاف معرّف لهم ، وإنّما هو معرّف للمحسنين في جنب النّاس بالإحسان إليهم .
وأمّا في جنب اللّه فمعرّفهم ما في قوله تعالى :
وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ . . .
الأحقاف : 12 ، بل هذا