النّسفيّ : [ نحو الطّبريّ وأضاف : ]
أو محسن إلى النّاس وظالم على نفسه ، بتعدّيه عن حدود الشّرع .
وفيه تنبيه على أنّ الخبيث والطّيّب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البرّ الفاجر والفاجر البرّ .
وهذا ممّا يهدم أمر الطّبائع والعناصر ، وعلى أنّ الظّلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة ، وأنّ المرء إنّما يعاب بسوء فعله ، ويعاقب على ما اجترحت يداه ، لا على ما وجد من أصله وفرعه . ( 4 : 27 )
ابن عاشور : ولمّا ذكر ما أعطاهما نقل الكلام إلى ذرّيّتهما ، فقال :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ،
أي عامل بالعمل الحسن ،
وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ
أي مشرك غير مستقيم ، للإشارة إلى أنّ ذرّيّتهما ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون ؛ فمن ذرّيّة إبراهيم أنبياء وصالحون ومؤمنون ومن ذرّيّة إسحاق مثلهم ، ومن ذرّيّة إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم مثل مشركي العرب ، ومن ذرّيّة إسحاق كذلك مثل من كفر من اليهود بالمسيح وبمحمّد صلّى اللّه عليهما ، ونظيره قوله تعالى :
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
البقرة : 124 .
وفيه تنبيه على أنّ الخبيث والطّيّب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البرّ الفاجر والفاجر البرّ ، وعلى أنّ فساد الأعقاب لا يعدّ غضاضة على الآباء ، وأنّ مناط الفضل هو خصال الذّات وما اكتسب المرء من الصّالحات . وأمّا كرامة الآباء فتكملة للكمال وباعث على الاتّسام بفضائل الخلال ، فكان في هذه التّكملة إبطال غرور المشركين بأنّهم من ذرّيّة إبراهيم - وإنّها مزيّة لكن لا يعادلها الدّخول في الإسلام - وأنّهم الأولى بالمسجد الحرام . قال أبو طالب في خطبة خديجة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد للّه الّذي جعلنا من ذرّيّة إبراهيم وزرع إسماعيل ، وجعلنا رجال حرمه وسدنة بيته » فكان ذلك قبل الإسلام .
وقال اللّه تعالى لهم بعد الإسلام :
أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ
التّوبة :
19 ، وقال تعالى :
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
الأنفال :
34 ، وقال :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
آل عمران : 68 .
وقد ضرب اللّه هذه القصّة مثلا لحال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ثباته على إبطال الشّرك ، وفيما لقي من المشركين ، وإيماء إلى أنّه يهاجر من أرض الشّرك ، وأنّ اللّه يهديه في هجرته ويهب له أمّة عظيمة ، كما وهب إبراهيم أتباعا ، فقال :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
النّحل : 120 .
وفي قوله تعالى :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
مثل لحال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين معه من أهل مكّة ، ولحال المشركين من أهل مكّة . ( 23 : 74 )
مغنيّة : والمحسن من هذه الذّرّيّة هو الّذي اتّبع ملّة أبيه إبراهيم حنيفا ، والظّالم من حاد عنها . ( 6 : 351 )
مكارم الشّيرازيّ : ( محسن ) جاءت هنا بمعنى المؤمن والمطيع للّه ، وهل يتصوّر أنّ هناك إحسان وعمل حسن أرفع من هذا ؟
و ( ظالم ) جاءت هنا بمعنى الكافر والمذنب ، و ( لنفسه )