الحيّ ، فيدفعه إلى أن يحترم مشاعر الآخرين وظروفهم ، فلا يثير معهم القضايا الصّعبة من موقع صعوبتها ، بل يحاول أن ينفتح معهم على جانب السّهولة في الحياة ، من جهة ، في ما يأخذه من الحقّ الّذي له ، وينطلق مع خطّ العفو والتّسامح من جهة أخرى .
وبذلك يتحرّك الإحسان كخطّ أخلاقيّ إسلاميّ من مواقع الإرادة الطّوعيّة الطّيّبة في الإنسان ، فيخفّف من شدّة العدل وقسوته ، ليعيش الإنسان بين العدل والإحسان في الأجواء الّتي تبعث الطّراوة ، حتّى في أشدّ المواقف صعوبة وقساوة ، انسجاما مع التّركيب الدّاخليّ للإنسان في شخصيّته الباحثة أبدا عن العدل والرّحمة في مواقع الحياة .
وكما هو الحال في الآية الأخرى ، عندما أراد اللّه أن يرغّب في التّقوى بأنّ اللّه مع المتّقين ، كانت هذه الآية ترغيبا في الإحسان من موقع أنّ ذلك يحقّق للإنسان محبّة اللّه ، فإنّ اللّه يحبّ المحسنين . ( 4 : 94 )
2 -
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ .
الصّافّات : 113
ابن عبّاس : ( محسن ) : موحّد ،
وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ
بالكفر ، ( مبين ) : ظاهر الكفر . ( 378 )
السّدّيّ : المحسن : المطيع للّه ، والظّالم لنفسه : العاصي للّه . ( الطّبريّ 23 : 89 )
مثله ابن الجوزيّ . ( 7 : 78 )
الطّبريّ : يعني بالمحسن : المؤمن المطيع للّه ، المحسن في طاعته إيّاه . ( 23 : 89 )
نحوه الثّعلبيّ ( 8 : 158 ) ، والواحديّ ( 3 : 531 ) ، والبغويّ ( 4 : 38 ) ، والشّربينيّ ( 3 : 388 ) .
الطّوسيّ : فمنهم محسن بفعل الطّاعات ، ومنهم ظالم لنفسه بارتكاب المعاصي بسوء اختياره . ( 8 : 521 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 4 : 454 )
الفخر الرّازيّ : وفي ذلك تنبيه على أنّه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن ، لئلّا تصير هذه الشّبهة سببا لمفاخرة اليهود ، ودخل تحت قوله : ( محسن ) الأنبياء والمؤمنون ، وتحت قوله : ( ظالم ) الكافر والفاسق ، واللّه أعلم . ( 26 : 159 )
القرطبيّ : لمّا ذكر البركة في الذّرّية والكثرة ، قال :
منهم محسن ومنهم مسيء ، وإنّ المسئ لا تنفعه بنوّة النّبوّة ؛ فاليهود والنّصارى وإن كانوا من ولد إسحاق ، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل ، فلا بدّ من الفرق بين المحسن والمسئ والمؤمن والكافر ، وفي التّنزيل :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
المائدة : 18 ، أي أبناء رسل اللّه ، فرأوا لأنفسهم فضلا .
( 15 : 113 )
البيضاويّ : ( محسن ) في عمله أو على نفسه بالإيمان والطّاعة ، ( وظالم لنفسه ) بالكفر والمعاصي ، ( مبين ) : ظاهر ظلمه ، وفي ذلك تنبيه على أنّ النّسب لا أثر له في الهدى والضّلال ، وأنّ الظّلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب . ( 2 : 298 )
نحوه النّيسابوريّ ( 23 : 66 ) ، وأبو السّعود ( 5 : 336 ) ، والكاشانيّ ( 4 : 280 ) ، والبروسويّ ( 7 : 479 ) ، وشبّر ( 5 : 262 ) ، والآلوسيّ ( 23 : 133 ) ، والمراغيّ ( 23 : 76 ) .