يقوله كلام لا أصل له ، فلهذا السّبب حكى اللّه عنهم أنّهم يستعجلون الرّسول بالسّيّئة قبل الحسنة .
والمراد ( بالسّيّئة ) هاهنا : نزول العذاب عليهم ، كما قال اللّه تعالى عنهم في قوله :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً ،
وفي قوله :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
إلى قوله :
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً
الإسراء : 90 إلى 92 وإنّما قالوا ذلك طعنا منهم فيما ذكره الرّسول .
وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعدهم على الإيمان بالثّواب في الآخرة ، وبحصول النّصر والظّفر في الدّنيا ، فالقوم طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النّصر والظّفر ، فهذا هو المراد بقوله :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ .
ومنهم من فسّر ( الحسنة ) هاهنا بالإمهال والتّأخير ، وإنّما سمّوا العذاب سيّئة ، لأنّه يسوءهم ويؤذيهم . [ إلى أن قال : ]
معنى الآية : ويستعجلونك بالعذاب الّذي لم نعاجلهم به ، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها ، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتبارا بحال من سلف . ( 19 : 10 )
نحوه ابن كثير ( 4 : 69 ) ، والشّربينيّ ( 2 : 148 ) .
القرطبيّ : أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب . ( 9 : 284 )
أبو حيّان : [ نحو الفخر الرّازيّ ونقل الأقوال وقال : ]
وهذه الأقوال متقاربة . ( 5 : 366 )
الثّعالبيّ : تبيين لخطئهم كطلبهم سقوط كسف من السّماء ، وقولهم :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ،
ونحو هذا مع نزول ذلك بأناس كثير . ( 2 : 181 )
البروسويّ : [ نحو الفخر الرّازيّ وأضاف : ]
واعلم أنّ استعجالهم بالسّيّئة قبل الحسنة استعجالهم بالكفر والمعاصي قبل الإيمان والطّاعات ، فإنّ منشأ كلّ سعادة ورحمة هو الإيمان الكامل والعمل الصّالح ، ومنشأ كلّ شقاوة وعذاب هو الكفر والشّرك والعمل الفاسد . ( 4 : 344 )
الشّوكانيّ : ( السّيّئة ) : العقوبة المهلكة ، و ( الحسنة ) : العافية والسّلامة ، قالوا : هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدّة تصميمهم وتهالكهم على الكفر .
( 3 : 85 )
المراغيّ : [ مثل الثّعلبيّ وأضاف : ]
قَبْلَ الْحَسَنَةِ
أي قبل الثّواب والسّلامة من العقوبة ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يعدهم على الإيمان بالثّواب في الآخرة وحصول النّصر والظّفر في الدّنيا . ( 13 : 71 )
نحوه مغنيّة . ( 4 : 381 )
فضل اللّه : وهو أسلوب الكفّار في التّحدّي الّذي لا يسعى إلى مدّ جسور الحوار وإيجاد أرضيّة للتّفاهم ، بل يسعى إلى تنفيس عقدة الغيظ الّتي تعتمل في داخلهم ، أمام حالة العجز الّتي يشعرون بها في مواجهة الطّرح الفكريّ للرّسالة والإيمان ، فيطلبون من النّبيّ - من موقع التّحدّي - الإتيان بالعذاب ليدمّر الكافرين ، إذا كان هناك عذاب من قبل اللّه ، بهدف إحراج النّبيّ ، أو تدمير النّفس ، وإنهاء لحالة الحيرة الّتي يعيشونها بين إمكان تحقيق ذلك وعدم إمكانه .
وهكذا يستعجلون السّيّئة وهي العقاب الّذي