عزّ وجلّ عن المجرمين أنّهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة يقولون :
يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
الكهف : 49 .
فأخبر أنّ كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها ، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذّنوب وكبائرها - بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان باللّه ورسوله وأهل الطّاعة له - أن يكونوا بكلّ ما أحصته الكتب من الذّنوب معاقبين ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ وعدهم العفو عن الصّغائر باجتنابهم الكبائر ، فقال في تنزيله :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
النّساء : 31 .
فدلّ أنّ محاسبة اللّه عباده المؤمنين - بما هو محاسبهم به من الأمور الّتي أخفتها أنفسهم - غير موجبة لهم منه عقوبة ، بل محاسبته إيّاهم - إن شاء اللّه عليها - ليعرّفهم تفضّله عليهم بعفوه لهم عنها . ( 3 : 142 )
نحوه الماورديّ . ( 1 : 360 )
عبد الجبّار : إنّ أفعال القلوب كأفعال الجوارح في أنّ الوعيد يتناولها ، ويعني ما يلزم إظهاره إذا خفي وما يلزم كتمانه إذا ظهر ، ممّا يتعلّق به الحقوق . ولم يرد بذلك :
ما يخطر بالقلب ممّا قد رفع فيه المأثم .
( أبو حيّان 2 : 360 )
الطّوسيّ : قال قوم : هذه الآية منسوخة بقوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ،
ورووا في ذلك خبرا ضعيفا ، وهذا لا يجوز لأمرين :
أحدهما : أنّ الأخبار الّتي لا تتضمّن معنى الأمر والنّهي والإباحة لا يجوز نسخها ، وهذا خبر محض خال من ذلك .
الثّاني : لا يجوز تكليف نفس ما ليس في وسعها على وجه ، فينسخ . ويجوز أن تكون الآية الثّانية بيّنت الأولى ، وأزالت توهّم من صرف ذلك إلى غير وجهه ، فلم يضبط الرّواية فيه ، وظنّ أنّ ما يخطر للنّفس أو تحدّث نفسه به ممّا لا يتعلّق بتكليفه ، فإنّ اللّه يؤاخذه به . والأمر بخلاف ذلك ، وإنّما المراد بالآية : ما يتناوله الأمر والنّهي من الاعتقادات والإرادات وغير ذلك ممّا هو مستور عنّا . فأمّا ما لا يدخل في التّكليف فخارج عنه ، لدلالة العقل ، ولقوله عليه السّلام : « تجوّز لهذه الأمّة عن نسيانها وما حدّثت به أنفسها » . ( 2 : 382 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 1 : 401 )
البغويّ : اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال قوم :
هي خاصّة ثمّ اختلفوا في وجه خصوصها :
فقال بعضهم : هي متّصلة بالآية الأولى ، نزلت في كتمان الشّهادة ، معناه : وإن تبدوا ما في أنفسكم أيّها الشّهود من كتمان الشّهادة أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به اللّه ، وهو قول الشّعبيّ وعكرمة .
وقال بعضهم : نزلت فيمن يتولّى الكافرين من دون المؤمنين ، يعني : وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفّار أو تسرّوه يحاسبكم به اللّه ، وهو قول مقاتل ، كما ذكر في سورة آل عمران : 28
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ،
إلى أن قال :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ .
وذهب الأكثرون إلى أنّ الآية عامّة ، ثمّ اختلفوا فيها ، فقال قوم : هي منسوخة بالآية الّتي بعدها . [ ثمّ