لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
البقرة : 225 ، وقال في آخر هذه السّورة :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
البقرة :
286 وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا
النّور : 19 ، هذا هو الجواب المعتمد .
والوجه الثّاني : أنّ كلّ ما كان في القلب ممّا لا يدخل في العمل فهو في محلّ العفو ، وقوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فالمراد منه : أن يدخل ذلك العمل في الوجود : إمّا ظاهرا ، وإمّا على سبيل الخفية ، وأمّا ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتّصل بالعمل ، فكلّ ذلك في محلّ العفو .
وهذا الجواب ضعيف ، لأنّ أكثر المؤاخذات إنّما تكون بأفعال القلوب . ألا ترى أنّ اعتقاد الكفر والبدع ليس إلّا من أعمال القلوب ، وأعظم أنواع العقاب مرتّب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتّب عليها عقاب كأفعال النّائم والسّاهي ، فثبت ضعف هذا الجواب .
والوجه الثّالث في الجواب : أنّ اللّه تعالى يؤاخذ لها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدّنيا . روى الضّحّاك عن عائشة رضي اللّه عنها أنّها قالت : ما حدّث العبد به نفسه من شرّ ، كانت محاسبة اللّه عليه بغمّ يبتليه به في الدّنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ، ولم يعاقب عليه . وروت أنّها سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ، فأجابها بما هذا معناه .
فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدّنيا مع قوله تعالى :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
المؤمن :
17 ؟
قلنا : هذا خاصّ فيكون مقدّما على ذلك العامّ .
الوجه الرّابع في الجواب : أنّه تعالى قال :
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
ولم يقل : يؤاخذكم به اللّه . وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، وذكرنا أنّ من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكلّ ما في الضّمائر والسّرائر . روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّه قال : إنّ اللّه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثمّ يعفو عنه ، وأهل الذّنوب يخبرهم بما أخفوا من التّكذيب والذّنب .
والوجه الخامس في الجواب : أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله :
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
البقرة : 284 ، فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرّا على تلك الخواطر مستحسنا لها .
الوجه السّادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية :
كتمان الشّهادة ، وهو ضعيف ، لأنّ اللّفظ عامّ ، وإن كان واراه عقيب تلك القضيّة لا يلزم قصره عليه .
الوجه السّابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسّرين أنّ هذه الآية منسوخة بقوله :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وهذا أيضا ضعيف لوجوه :
أحدها : أنّ هذا النّسخ إنّما يصحّ لو قلنا : إنّهم كانوا قبل هذا النّسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر ، الّتي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأنّ التّكليف قطّ ما ورد إلّا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السّلام :