وكذا
ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ .
( 6 : 433 )
أبو حيّان : [ نقل كلام الزّمخشريّ وأضاف : ]
ولا يمكن ما ذكره من التّرديد في قوله : « وإن كان الأمر » إلى آخره ، لأنّه تعالى قد أخبر بأنّهم يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ، وإخبار اللّه تعالى هو الصّدق الّذي لا شكّ فيه ، فلا يقال فيهم : وإن كان الأمر كما يقولون ، وإن كان لهم باطن غير مرضيّ ، لأنّه فرض مخالف لما أخبر اللّه تعالى به ، من خلوص بواطنهم ونيّاتهم له تعالى . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ : فإن قلت وقال : ]
وقوله : كأنّه قيل : « لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه » تركيب غير عربيّ ، لا يجوز عود الضّمير هنا غائبا ولا مخاطبا ، لأنّه إن أعيد غائبا فلم يتقدّم له اسم مفرد غائب يعود عليه ، إنّما يتقدّم قوله : ولا هم ، ولا يمكن العود إليه على اعتقاد الاستغناء بالمفرد عن الجمع ، لأنّه يصير التّركيب : بحساب صاحبهم . وإن أعيد مخاطبا فلم يتقدّم له مخاطب يعود عليه إنّما تقدّم قوله : لا تؤاخذ أنت ، ولا يمكن العود إليه لأنّه مخاطب فلا يعود عليه غائبا ، ولو أبرزته مخاطبا لم يصحّ التّركيب أيضا .
وإصلاح هذا التّركيب أن يقال : لا يؤاخذ كلّ واحد منك ولا منهم بحساب صاحبه ، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك ، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم ، فتغلب الخطاب على الغيبة ، كما تقول : أنت وزيد تضربان .
والظّاهر أنّ الضّمائر كلّها عائدة على
الَّذِينَ يَدْعُونَ .
وقيل : الضّمير في ( من حسابهم ) وفي ( عليهم ) عائد على المشركين ، وتكون الجملتان اعتراضا بين النّهي وجوابه . [ ثمّ ذكر بعض أقوال المتقدّمين وقال : ]
( من ) في ( من حسابهم ) وفي ( من حسابك ) مبعّضة في موضع نصب على الحال في ( من حسابهم ) وذو الحال هو ( من شئ ) ، لأنّه لو تأخّر ( من حسابهم ) لكان في موضع النّعت ل ( شئ ) فلمّا تقدّم انتصب على الحال و ( عليك ) في موضع الخبر ل ( ما ) إن كانت حجازيّة ، وأجزنا توسّط خبرها إذا كانت ظرفا أو مجرورا ، وفي موضع خبر المبتدأ إن لم نجز ذلك ، أو اعتقدنا أنّ ( ما ) تميميّة .
وأمّا في ( من حسابك ) فقيل : هو في موضع نصب على الحال . ويضعّف ذلك بأنّ الحال إذا كان العامل فيها معنى الفعل لم يجز تقديمها عليه ، خصوصا إذا تقدّمت على العامل وعلى ذي الحال .
وقيل : يجوز أن يكون الخبر ( من حسابك ) و ( عليهم ) صفة ل ( شئ ) تقدّمت عليه فانتصب على الحال . وهذا ضعيف ، لأنّ ( عليهم ) هو محطّ الفائدة فترجّح أن يكون هو الخبر ، ويكون ( من حسابك ) على هذا تبيينا لا حالا ولا خبرا .
وانظر إلى حسن اعتنائه تعالى بنبيّه وتشريفه بخطابه ، حيث بدأ به في الجملتين معا ، فقال :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
ثمّ قال :
وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
فقدّم خطابه في الجملتين ، وكان مقتضى التّركيب الأوّل لو لوحظ أن يكون التّركيب الثّاني : وما عليهم من حسابك من شيء ، لكنّه قدّم خطاب الرّسول وأمره تشريفا له عليهم واعتناء