تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها : أحدها : أنّه يرزق من يشاء في الآخرة ، وهم المؤمنون بغير حساب ، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له ، ولا انقطاع ، وهو كقوله :
فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
يرزقون فيها بغير حساب . فإنّ كلّ ما دخل تحت الحساب والحصر والتّقدير فهو متناه ، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب . وثانيها : أنّ المنافع الواصلة إليهم في الجنّة بعضها ثواب ، وبعضها تفضّل ، كما قال :
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
النّساء : 173 ، فالفضل منه بلا حساب . وثالثها : أنّه لا يخاف نفادها عنده ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ، لأنّ المعطي إنّما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي وما يبقي ، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به . واللّه لا يحتاج إلى الحساب ، لأنّه عالم غنيّ لا نهاية لمقدوراته . ورابعها : أنّه أراد بهذا رزق أهل الجنّة ؛ وذلك لأنّ الحساب إنّما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عمّا كان . والثّواب ليس كذلك ، فإنّه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثّواب المستحقّ بحكم الوعد والفضل باقيا ؛ فعلى هذا لا يتطرّق الحساب ألبتّة إلى الثّواب . وخامسها : أراد أنّ الّذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة ، لأنّ الّذي يعطي في كلّ وقت يكون متناهيا لا محالة ، والّذي في خزانة قدرة اللّه غير متناه ، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فهذا هو المراد من قوله : ( بغير حساب ) وهو إشارة إلى أنّه لا نهاية لمقدورات اللّه تعالى . وسادسها :
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي بغير استحقاق ، يقال : لفلان على فلان حساب ، إذا كان له عليه حقّ . وهذا يدلّ على أنّه لا يستحقّ عليه أحد شيئا ، وليس لأحد معه حساب بل كلّ ما أعطاه فقد أعطاه بمجرّد الفضل والإحسان ، لا بسبب الاستحقاق . وسابعها :
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي يزيد على قدر الكفاية . يقال : فلان ينفق بالحساب ، إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية ، فأمّا إذا زاد عليه فإنّه يقال : ينفق بغير حساب . وثامنها :
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي يعطي كثيرا ، لأنّ ما دخله الحساب فهو قليل . واعلم أنّ هذه الوجوه كلّها محتملة ، وعطايا اللّه لها منتظمة ، فيجوز أن يكون المراد كلّها ، واللّه أعلم . أمّا إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدّنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ، ففيه وجوه : أحدها ، وهو أليق بنظم الآية : أنّ الكفّار إنّما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين ، لأنّهم كانوا يستدلّون بحصول السّعادات الدّنيويّة على أنّهم على الحقّ ، ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السّعادات على أنّهم على الباطل ، فاللّه تعالى أبطل هذه المقدّمة بقوله :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
يعني أنّه يعطي في الدّنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطى محقّا أو مبطلا أو محسنا أو مسيئا ؛ وذلك متعلّق بمحض المشيئة . فقد وسّع الدّنيا على قارون ، وضيّقها على