بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
لمّا جعل بدلا من الأوّل وعدّي إلى مفعوليه ، استغني بها في تعدية الأوّل إليهما ، كما استغني في قول الشّاعر :
بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب
فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليهما .
فإن قال قائل : كيف يستقيم تقدير البدل ، وقد دخل الفاء بينهما ، ولا يدخل بين البدل والمبدل منه الفاء ؟
والجواب : أنّ الفاء زائدة ، يدلّك على ذلك أنّها لا يجوز أن تكون الّتي تدخل على الخبر ، لأنّ ما قبل الفاء ليس بمبتدإ ، فتكون الفاء خبره ، ولا تكون العاطفة ، لأنّ المعنى : لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أنفسهم
بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
فإذا كان ذلك لم يجز تقدير العطف ، لأنّ الكلام لم يستقلّ بعد ، فيستقيم فيه تقدير العطف .
وأمّا قوله :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
فإنّ فعل الفاعل الّذي هو يحسبون تعدّى إلى ضميره ، وحذفت واو الضّمير لدخول النّون الثّقيلة . وقوله :
بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
في موضع المفعول الثّاني ، وفيه ذكر المفعول الأوّل . وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدّى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه ، لأنّ هذه الأفعال لمّا كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت « إنّ » وأخواتها في دخولهنّ على الابتداء والخبر ، كدخول هذه الأفعال عليهما ، وذلك نحو قولك :
ظننتني ذاهبا ، كما تقول : إنّي ذاهب ، ولو قلت : أظنّ نفسي تفعل ، لم يجز ، كما يجوز : أظننتني فاعلا .
وقال أبو سعيد الخدريّ ، وأبو وهب ، والزّجّاج :
المعنيّ بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . [ وذكر نحو الزّجّاج ثمّ قال : ]
وقوله :
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
قال البلخيّ : إنّهم قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
المائدة :
18 ، وأهل الصّوم والصّلاة ، وليسوا بأولياء اللّه ، ولا أحبّاؤه ، ولا أهل الصّلاة والصّيام ، ولكنّهم أهل شرك ونفاق . وهو المرويّ عن أبي جعفر عليه السّلام .
وقال قوم :
يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا
على أنّهم أبطلوا أمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وكذّبوا ما أبطلوه ، ولا لهم قدرة على ذلك .
وروي عن ابن عبّاس ، وسعيد : أنّ الآية نزلت في اليهود ؛ حيث كانوا يفرحون بإجلال النّاس لهم ونسبهم إيّاهم إلى العلم . وقال الضّحّاك ، والسّدّيّ : نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
وقال سعيد بن جبير : فرحوا بما أتى اللّه آل إبراهيم . وقال ابن عبّاس : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله سألهم عن شيء ، فكتموه ففرحوا بكتمانهم .
وأقوى هذه الأقوال أن يكون قوله :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
يعني بها من أخبر اللّه عنهم أنّه أخذ ميثاقهم ، ليبيّننّ للنّاس أمر محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ولا يكتمونه ، لأنّ قوله :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
في سياق الخبر عنهم ، وشبيه بقصّتهم مع أنّ أكثر أهل التّأويل عليه .
وقال الجبّائيّ : الآية في المنافقين ، لأنّهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد ، لا على