ووجه ثالث : وهو أنّ ( ان يتّخذوا ) إلخ مفعول أوّل ل ( حسب ) بمعنى ظنّ ، ومفعوله الثّاني محذوف ، والتّقدير :
أفحسب الّذين كفروا اتّخاذهم عبادي من دوني أولياء نافعا لهم ، أو دافعا للعقاب عنهم ؟ ! والفرق بين هذا الوجه والوجهين السّابقين أنّ ( ان ) وصلته قائمة مقام المفعولين فيهما والمحذوف بعض الصّلة فيهما ، بخلاف الوجه الثّالث ف ( ان ) وصلته فيه مفعول أوّل ل ( حسب ) والمفعول الثّاني محذوف .
ووجه رابع : وهو أن يكون ( ان ) وصلته سادّة مسدّ المفعولين ، وعناية الكلام متوجّهة إلى إنكار كون الاتّخاذ اتّخاذا حقيقة ، على معنى أنّ ذلك ليس من الاتّخاذ في شيء ؛ إذ الاتّخاذ إنّما يكون من الجانبين ، والمتّخذون متبرّئون منهم ، لقولهم :
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ .
والوجوه الأربعة مترتّبة في الوجاهة ، وأوجهها أوّلها ، وسياق هذه الآيات يساعد عليه . فإنّ هذه الآيات بل عامّة آيات السّورة مسوقة لبيان أنّهم فتنوا بزينة الحياة الدّنيا ، واشتبه عليهم الأمر فاطمأنّوا إلى ظاهر الأسباب ، فاتّخذوا غيره تعالى أولياء من دونه ، فهم يظنّون أنّ ولايتهم تكفيهم وتنفعهم وتدفع عنهم الضّرّ ، والحال أنّ ما سيلقونه بعد النّفخ والجمع يناقض ذلك ، فالآية تنكر عليهم هذا الظّنّ ، والحسبان بعد ما كان مآل أمرهم ذلك .
ثمّ إنّ إمكان قيام ( ان ) وصلته مقام مفعولي ( حسب ) - وقد ورد في كلامه تعالى كثيرا ، كقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا
الجاثية : 21 ، وغيره - يغني عن تقدير مفعول ثان محذوف ، وقد منع عنه بعض النّحاة ، وتؤيّده الآيات التّالية :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
الكهف : 103 ، وكذا القراءة المنسوبة إلى عليّ عليه السّلام وعدّة منهم ( أفحسب ) بسكون السّين وضمّ الباء ، والمعنى أفاتّخاذ عبادي من دوني أولياء كاف لهم ؟
( 13 : 367 )
2 -
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ .
العنكبوت : 2
جاء في التّفاسير بمعنى ظنّ ، راجع « فتن » .
3 -
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ . . .
العنكبوت : 4
راجع « عمل » .
4 -
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
. الجاثية : 21
أبو حيّان : ( أم ) منقطعة تقدّر ب « بل » والهمزة وهو استفهام إنكار . ( 8 : 46 )
أبو السّعود : استئناف مسوق لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين ، إثر تباين حالي الظّالمين والمتّقين .
و ( أم ) منقطعة ، وما فيها من معنى « بل » للانتقال من البيان الأوّل إلى الثّاني .
والهمزة لإنكار الحسبان ، لكن لا بطريق إنكار