تراك منزلة إذا لم أرضها * أو يعتلق بعض النّفوس حمامها
قال : المعنى « أو يعتلق كلّ النّفوس حمامها » وهذا كلام تستعمله النّاس ، يقول القائل : بعضنا يعرفك ، يريد أنا أعرفك . وهذا إنّما هو تبعيض صحيح ، وإنّما جاءهم عيسى بتحليل ما كان حراما عليهم ، قال اللّه عزّ وجلّ :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
النّساء : 160 ، وهي نحو الشّحوم وما يتبعها في التّحريم ، فأمّا أن يكون أحلّ لهم القتل والسّرقة والزّنى فمحال . ( 1 : 415 )
الطّوسيّ : إنّما أحلّ لهم لحوم الإبل والثّروب وأشياء من الطّير والحيتان ، ممّا كان محرّما في شرع موسى عليه السّلام ، ولم يحلّ جميع ما كان محرّما عليهم من الظّلم والغصب والكذب ، والعبث وغير ذلك ، فلذلك قال :
بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
[ ونقل مناقشة أبي عبيدة والزّجّاج ثمّ قال : ]
ووجه الآية ما ذكره أبو عليّ ، وجماعة من المفسّرين : أنّ قوما من اليهود حرّموا على نفوسهم أشياء ما حرّمها اللّه عليهم ، فجاء بتحليل ذلك .
قال الرّمّانيّ : تأويل الآية على ما قالوه ، لكنّه لا يمتنع أن يوضع « البعض » في موضع « الكلّ » إذا كانت هناك قرينة تدلّ عليه ، كما يجوز وضع « الكلّ » في موضع « البعض » بقرينة . ( 2 : 470 )
الزّمخشريّ : وما حرّم اللّه عليهم في شريعة موسى : الشّحوم والثّروب ولحوم الإبل والسّمك وكلّ ذي ظفر ، فأحلّ لهم عيسى بعض ذلك . قيل : أحلّ لهم من السّمك والطّير ما لا صئصئة له ، واختلفوا في إحلاله لهم السّبت .
وقرئ ( حرّم عليكم ) على تسمية الفاعل ، وهو ما بين يدي من التّوراة أو اللّه عزّ وجلّ أو موسى عليه السّلام ، لأنّ ذكر التّوراة دلّ عليه ، ولأنّه كان معلوما عندهم . وقرئ ( حرم ) بوزن « كرم » . ( 1 : 432 )
ابن عطيّة : إشارة إلى ما حرّمه الأحبار بعد موسى وشرّعوه ، فكأنّ عيسى ردّ أحكام التّوراة إلى حقائقها الّتي نزلت من عند اللّه . وقال عكرمة : ( حرّم عليكم ) بفتح الحاء والرّاء المشدّدة ، وإسناد الفعل إلى اللّه تعالى أو إلى موسى عليه السّلام . ( 1 : 441 )
الفخر الرّازيّ : فيه سؤال : وهو أنّه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها ، لأنّ هذه الآية الأخيرة صريحة في أنّه جاء ليحلّ بعض الّذي كان محرّما عليه في التّوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التّوراة ، وهذا يناقض قوله :
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ؟
والجواب : أنّه لا تناقض بين الكلامين ؛ وذلك لأنّ التّصديق بالتّوراة لا معنى له إلّا اعتقاد أنّ كلّ ما فيها فهو حقّ وصواب ، وإذا لم يكن الثّاني مذكورا في التّوراة ، لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرّما فيها مناقضا ، لكونه مصدّقا بالتّوراة ، وأيضا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السّلام موجودة في التّوراة ، لم يكن مجيء عيسى عليه السّلام ، وشرعه مناقضا للتّوراة .
ثمّ اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّه عليه السّلام ما غيّر شيئا من أحكام التّوراة . قال وهب بن منبّه : إنّ عيسى عليه السّلام كان