لا تتّقد به غيرها ، والكبريت تتّقد به كلّ نار وإن ضعفت .
وما ذكره حقّ لكنّه أخطأ في قوله بعده : « ولمّا كانت الآية - يعني آية البقرة - مدنيّة بعد ما نزل في سورة التّحريم
ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
وسمعوه ، صحّ تعريف النّار ووقوع الجملة صلة ، فإنّها تجب أن تكون قصّة معلومة » وأراد أنّ « اللّام » فيها للعهد الذّهنيّ أو الذّكريّ .
وجه الخطأ أنّ سورة التّحريم مدنيّة ، وأنّها نزلت بعد البقرة .
واختاره أبو السّعود أيضا قائلا : « أشير هنا إلى ما سمعوه أوّلا - في التّحريم - وكونها مدنيّة لا يستلزم كون جميع آياتها كذلك » وقد ارتكب خطأين : نزول سورة التّحريم قبل البقرة ، واحتمال أنّ بعض آياتها مكّيّة .
16 - قالوا في وجه الجمع بين « النّاس والحجارة » وجوها :
منها : أنّهم قرنوا أنفسهم بالحجارة في الدّنيا وهي الأصنام الّتي نحتوها وعبدوها ، فقرنهم بها في النّار كما قال :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
الأنبياء : 98 ، وحصبها هي وقودها .
ومنها : أنّهم اعتقدوا أنّ أصنامهم شفعاءهم عند اللّه ، تدفع عنهم العذاب ، فجعلها عذابا لهم ؛ بذلك جمع بين العذاب الجسميّ والرّوحيّ .
ومنها : أنّه ذكرها تعظيما لحرارة النّار حيث إنّها تحرق مع النّاس الحجارة ، خلافا لنار الدّنيا حيث إنّها تحرق النّاس دون الحجارة .
ومنها : أنّ أجسادهم تبقى على النّار بقاء الحجارة الّتي توقدها النّار بالقدح ، أو ليجدّدها كما قال :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
النّساء : 56 .
ومنها : أنّهم يعذّبون بالحجارة المحماة بالنّار مع النّار نفسها .
ومنها : أريد ب ( الحجارة ) الّذين هم في صلابتهم عن قبول الحقّ كالحجارة كمن وصفهم ب
فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً .
ومنها : أنّ أهل النّار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا ، فينشئ اللّه سبحانه سحابة سوداء مظلمة فيرجون الفرج ، ويرفعون رؤوسهم إليها فتقطر عليهم حجارة عظاما كحجارة الرّحى ، فتزداد النّار إيقادا والتهابا .
وهذا لا يستفاد من الآية إلّا برواية صحيحة ولا توجد .
ومنها : أنّ « الحجارة » هي ما كنزوه من الذّهب والفضّة تقذف معهم في النّار وتكوى بها أجسامهم ، كما قال :
فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ
التّوبة : 35 ، لاحظ : جباههم وجنوبهم .
ومنها : أنّهم في رفضهم دعوة الأنبياء فهم حجارة باطنا وإن ظهروا بمظهر الآدميّ .
ولكلّ ممّا ذكر لطف وبعضها أقرب من بعض . وقد رجّح « الطّوسيّ » من القدماء ، و « رشيد رضا » من المتأخّرين الوجه الأوّل . ولسيّد قطب تعابير أدبيّة فيها ، فلاحظ .
17 - قالوا : « حجارة » جمع كثرة ل « حجر » مثل « حجار » ، وجمع القلّة له « أحجار » ، أو هي اسم جمع ، وهو الأقرب .
18 - جاء ( الحجر ) مرّتين - كما سبق - : مكّيّة