وكلّها مكّيّة :
الأولى : ( 1 )
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ
قالوا :
أي لذي عقل ، لأنّه يمنع عن القبيح ، وجاء مكانه في القرآن ( أولوا الألباب ) 16 مرّة ، وأفعال من ( عقل ) مرّات ، وجاء هنا « ذي حجر » رعاية للرّويّ قبلها :
الفجر ، عشر ، الوتر ، يسر .
الثّانية والثّالثة : ( 2 و 3 )
( حِجْراً مَحْجُوراً ) *
جاء فيهما المصدر واسم المفعول مرّتين في سورة واحدة : ( الفرقان ) مع تفاوت بينهما :
وهو أنّه في ( 3 ) جاء وصفا للبحر كآية من آيات اللّه في هذا العالم :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
فذكر البحرين العذب والملح ، وأنّه جعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ، ف « حجرا » عطف على ( برزخا ) بيانا له ، أي أنّ البرزخ حاجز بين البحرين يمنع من اختلاطهما ، لاحظ « أجاج وبرزخ » . و ( محجورا ) صفة ( حجر ) تأكيدا له مثل « ذيل ذائل ، وشعر شاعر ، وموت مائت » ومساوقا للرّويّ في السّورة مثل : « كبيرا ، قديرا ، ظهيرا » وأكثرها راء منصوب .
وجاء في ( 2 ) حكاية عن حال الكفّار في الآخرة ، وقبلها :
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً
وفيهما بحوث :
1 - قالوا :
حِجْراً مَحْجُوراً *
مأخوذ من قول العرب إذا نزلت بهم شدّة ورأوا ما يكرهون قالوا :
حِجْراً مَحْجُوراً *
تأسّفا ممّا نزل بهم ، كأنّه انسدّ عليهم جميع الأبواب . وعند الرّاغب : أنّه كان عندهم لمعنيين : أحدهما : إعلان لحرمان السّائل من قبل المسؤول ، فإذا قاله علم السّائل أنّه يحرمه ، وثانيهما :
استعاذة ممّن يخافه إذا رآه ، أي حرام عليك التّعرّض لي .
2 - وهذا يجري - كما يأتي - في ( 2 ) أمّا في ( 3 ) فلا ؛ إذ ليس فيه إعلان بحرمان ، ولا استعاذة ، ولكنّ الزّمخشريّ ذكره في ( 3 ) أيضا ، وقال : « وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز ، كأنّ كلّا من البحرين تعوّذ من صاحبه ، ويقول له :
حِجْراً مَحْجُوراً *
كما قال :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
الرّحمن : 19 ، 20 ، لاحظ « ب غ ي » . وهذا مع ما فيه من اللّطف يعدّ بعيدا عن سياق الآيات .
3 - اختلفوا في ( 2 ) من يقول :
حِجْراً مَحْجُوراً *
أهم الملائكة أو المجرمون ، وكلاهما مذكوران في الآية ؟
فعلى الأوّل يقول الملائكة للمجرمين تشديدا في الحرمان والعذاب :
حِجْراً مَحْجُوراً *
أي البشرى حرام محرّم عليكم ، أو الجنّة محرّم عليكم . وهذا ردّ على الّذين قالوا في الآية السّابقة :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
بأنّكم ستلاقون الملائكة وهم يبشّرونكم بالعذاب . قال الكلبيّ : « الملائكة على أبواب الجنّة يبشّرون المؤمنين بالجنّة ، ويقولون للمشركين : حجرا محجورا » .
وعلى الثّاني يقول المجرمون - الّذين تمنّوا نزول الملائكة عليهم - للملائكة إذا لاقوهم وفزعوا منهم :
ما كانوا يقولونه عند لقاء العدوّ ونزول الشّدّة استعاذة منهم أو تأسّفا من لقائهم . قال أبو السّعود : « إنّهم يطلبون