ممّا قاله البروسويّ : « إنّ قريشا كانوا إذا استقبلهم أحد يقولون : « حاجورا حاجورا » حتّى يعرف أنّهم من الحرم فيكفّ عنهم .
9 - ومع قطع النّظر عن ذلك ، فلا ريب أنّ ( محجورا ) جاء في الآيتين رويّا ، والرّويّ في السّورة « فعيلا » و « مفعولا » و « فعولا » ونحوها ، والإلزام بالرّويّ فيها ظاهر في مثل :
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
2 ، و
وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
25 ، و
رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
32 ، و
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
36 ، و
تَبَّرْنا تَتْبِيراً
39 ، ونحوها فلاحظ .
10 - قرئ ( حجرا ) بالكسر والفتح - كما قاله النّسفيّ - وقال البيضاويّ : وقرئ بالضّمّ وأصله الفتح ، لكنّه لمّا اختصّ بموضع مخصوص غيّر كقدّك وعمرك لا يتصرّف فيه .
11 - ( حجرا ) من المصادر المنصوبة بأفعال متروكة من لفظها مثل « سقيا ورعيا وشكرا وتحيّة » أي حجرت عليك ، أو حجر اللّه عليك ، أو حجر عليك حجرا ، وعليه فهو مفعول مطلق ، وليس مفعولا به ، أو مفعولا من أجله ، ومنصوب بفعل مقدّر ، دون ( يقولون ) وإن كان مقولا له .
وأمّا الآية الرّابعة من المحور الأوّل - المنع - فهي :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ
وفيها بحوث أيضا :
1 - إنّها حكاية عن المشركين ممّا حرّموه من عند أنفسهم ، افتراء على اللّه من الأنعام والحرث وغيرهما ، والحجر صفة لها ، أي حرام .
2 - قال الطّبرسيّ ج 2 ص 372 : « قرئ في الشّواذّ ( حرج ) » . واحتجّ عليه بقوله : « الحرج يمكن أن يؤول معناه إلى حجر ، فإنّهما يرجعان في الأصل إلى معنى الضّيق ، فإنّ الحرام سمّي حجرا لضيقه ، والحرج أيضا :
الضّيق ، وعلى هذا يكون لغة في حجر ، مثل جذب وجند فهو من المقلوب » .
3 - هذه الآية وما قبلها من الآيات كلّها مكّيّة ، فيخطر بالبال أنّ ( حجرا ) بمعنى المنع لغة مكّيّة ؛ إذ لم يأت في المدنيّات بهذا المعنى .
المحور الثّاني : ( الحجر ) : علم ، مرّة واحدة ( 5 )
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
أصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح ، واسم بلدهم حجر ، وفي محلّها خلاف : هل هو بين المدينة والشّام ، أو بين مكّة وتبوك ، أو بين الحجاز والشّام ؟ قيل : هو المعروف بوادي القرى ، والمعروف اليوم باسم مدائن صالح ، على الطّريق من خيبر إلى تبوك .
وخلاف آخر : هل هو اسم الوادي ، أو اسم المدينة الواقعة فيه ؟ وفي أمثال هذا مجال للتّوسّع والمسامحة ، وأنّه كان يطلق على طرفي الخلاف . وعلى كلّ حال فهو غير « الحجر » بفتحتين ، مدينة بني حنيفة من بلاد نجد ، يقال له : حجر اليمامة ، وهي قصبة يمامة ، ويسمّى اليوم « العروض » وهو اليوم من بلاد البحرين .
ولفظه مأخوذ إمّا من الحجر بمعنى المنع ، أي المكان المحجور الممنوع من النّاس لا ختصاصه بأهله ، أو من الحجارة ، لأنّهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبال ، وقد جعلت طبقات ، وفي وسطها بئر عظيمة وبئار كبيرة ، وفي تسمية البلاد خلاف وتوسّع لا شاهد لتعيينها .