ما يريدون ولا طلّاب الآخرة يحرمون من الدّنيا ، ولكن مع الفارق ، وهو أنّ المجموعة الأولى تذهب إلى الآخرة بأيد فارغة ، والمجموعة الثّانية بأيد مملوءة .
وقد جاء ما يشبه نفس هذا المعنى في الآية : 18 و 19 ، من سورة الإسراء ، ولكن بشكل آخر :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً .
إنّ عبارة
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
تتلاءم مع ما ورد في آيات قرآنيّة أخرى ، مثل :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
الأنعام : 160 ، و
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
فاطر : 30 .
على أيّة حال ، فالآية صورة ناطقة تعكس التّفكير الإسلاميّ بخصوص الحياة الدّنيا ، الدّنيا المطلوبة لذاتها ، والدّنيا الّتي تعتبر مقدّمة للعالم الآخر ومطلوبة لغيرها ، فالإسلام ينظر إلى الدّنيا على أنّها مزرعة يقتطف تمارها يوم القيامة .
والعبارات الواردة في الرّوايات أو في آيات قرآنيّة أخرى تؤكّد هذا المعنى .
فمثلا تشبّه الآية : 261 ، من سورة البقرة المنفقين بالبذر الّذي له سبعة سنابل ، وفي كلّ سنبلة مئة حبّة ، وأحيانا أكثر . وهذا نموذج لمن يبذر البذور للآخرة .
ونقرأ في حديث عن الرّسول صلّى اللّه عليه وآله : « وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في النّار إلّا حصائد ألسنتهم » .
وجاء في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ المال والبنين حرث الدّنيا ، والعمل الصّالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما اللّه لأقوام » .
ويمكن أن نستفيد هذه الملاحظة من الآية هذه ، وهي أنّ الدّنيا والآخرة تحتاجان إلى السّعي ، ولا يمكن نيلهما دون تعب وأذى ، كما أنّ البذر والثّمر لا يخلوان من التّعب والأذى ، لذا فالأفضل للإنسان أن يزرع شجرة ويبذل جهده في تربيتها ، ليكون ثمرها حلو المذاق ودائميّا وأبديّا ، وليست شجرة تموت بسرعة وتفنى .
[ وأنهى كلامه بالنّبويّ الشّريف : « من كانت نيّته الدّنيا . . . » وقال : ]
وما هو مشهور بين العلماء أنّ « الدّنيا مزرعة الآخرة » فذلك في الحقيقة اقتباس من مجموع ما ذكرناه .
( 15 : 463 )
الحرث
1 -
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ .
البقرة : 205
ابن عبّاس : الحرث : ما تحرثون ، والنّسل : نسل كلّ دابّة . ( الطّبريّ 2 : 318 )
مثله مكحول . ( الطّبريّ 2 : 319 )
مجاهد : نبات الأرض .
مثله الرّبيع ، والضّحّاك ، وقتادة . ( الطّبريّ 2 : 318 )
الضّحّاك : ( الحرث ) : الأصل ، والنّسل : كلّ دابّة ، والنّاس منهم . ( الطّبريّ 2 : 318 )
عطاء : الزّرع . ( الطّبريّ 2 : 318 )
مثله ابن قتيبة ( 80 ) ، والطّبريّ ( 2 : 317 ) ، والطّوسيّ ( 2 : 180 ) .