يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا . . .
أي من كان يسعى لدنياه وآثرها على آخرته
نُؤْتِهِ مِنْها .
( 4 : 49 )
الميبديّ : أي ثواب الآخرة بعمله ،
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
فنعطيه بالواحد عشرا ومائة وأضعافا ، وقيل :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
أي نجمع له الدّنيا والآخرة .
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها . . .
ما قسمناه و « من » هاهنا للتّبعيض . ( 9 : 20 )
الزّمخشريّ : سمّى ما يعمله العامل ممّا يبغي به الفائدة والزّكاء حرثا على المجاز ، وفرّق بين عملي العاملين بأنّ من عمل للآخرة وفّق في عمله وضوعفت حسناته ، ومن كان عمله للدّنيا أعطي شيئا منها لا ما يريده ويبتغيه ، وهو رزقه الّذي قسم له وفرغ منه ، وماله نصيب قطّ في الآخرة ، ولم يذكر في معنى عامل الآخرة وله في الدّنيا نصيب ، على أنّ رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة ، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب . ( 3 : 465 )
نحوه النّسفيّ . ( 4 : 104 )
ابن عطيّة : والحرث في هذه الآية : عبارة عن السّعي والتّكسّب والإعداد . ولمّا كان حرث الأرض أصلا من أصول المكاسب استعير لكلّ متكسّب . [ ثمّ ذكر حديث ابن عمر المتقدّم ]
وقوله تعالى :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
وعد منتجز .
وقوله في :
حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ . . .
معناه ما شئنا ولمن شئنا ، فربّ ممتحن مضيّق عليه ، حريص على حرث الدّنيا ، مريد له لا يحسّ بغيره - نعوذ باللّه من ذلك - وهذا الّذي لا يعقل غير الدّنيا هو الّذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة . ( 5 : 32 )
نحوه أبو حيّان . ( 7 : 514 )
الفخر الرّازيّ : وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنّه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدّنيا من وجوه :
الأوّل : أنّه قدّم مريد حرث الآخرة في الذّكر على مريد حرث الدّنيا ؛ وذلك يدلّ على التّفضيل ، لأنّه وصفه بكونه آخرة ، ثمّ قدّمه في الذّكر تنبيها على قوله :
( نحن الآخرون السّابقون ) .
الثّاني : أنّه قال في مريد حرث الآخرة :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
وقال في مريد حرث الدّنيا :
نُؤْتِهِ مِنْها
وكلمة « من » للتّبعيض ، فالمعنى أنّه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتيه كلّه ، وقال في سورة بني إسرائيل :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
الإسراء : 18
وأقول : البرهان العقليّ مساعد على البابين ؛ وذلك لأنّ كلّ من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل ، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكلّ من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر ، وكلّما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسّعادات أكثر ؛ وذلك هو المراد بقوله :
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ .
وأمّا طالب الدّنيا فكلّما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطّلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدّنيا أكثر وميله إليها أشدّ . وإذا كان الميل أبدا في التّزايد ، وكان حصول المطلوب باقيا على حالة واحدة ، كان الحرمان لازما لا محالة .
الثّالث : أنّه تعالى قال في طالب حرث الآخرة :