وحسن ذلك لأنّ موضوع الكلام على التّهديد ، والحذر :
إعداد ما يتّقي الضّرر ، ومثله الخوف والفزع . تقول :
حذرت حذرا ، وتحذّر تحذّرا ، وحاذره محاذرة وحذارا ، وحذّره تحذيرا . [ إلى أن قال : ]
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ . . . .
إخبار من اللّه تعالى أنّ الّذى تخافون من ظهوره ، فإنّ اللّه يظهره بأن يبيّن لنبيّه باطن حالهم ونفاقهم . ( 5 : 291 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 3 : 46 )
الزّمخشريّ : وقيل : معنى ( يحذر ) الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون .
فإن قلت : الحذر واقع على إنزال السّورة في قوله :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ،
فما معنى قوله :
مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ؟
قلت : معناه محصّل مبرز إنزال السّورة أو أنّ اللّه مظهر ما كنتم تحذرونه ، أي تحذرون إظهاره من نفاقكم .
( 2 : 200 )
ابن عطيّة :
يَحْذَرُ
خبر عن حال قلوبهم ، وحذرهم إنّما هو أن تتلى سورة ومعتقدهم هل تنزّل أم لا ؟ ليس بنصّ في الآية لكنّه ظاهر . فإن حمل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أنّ ذلك ليس من عند اللّه ، فوجه بيّن . وإن قيل : إنّهم يعتقدون نزول ذلك من عند اللّه وهم ينافقون مع ذلك ، فهذا كفر عناد . ( 3 : 54 )
الفخر الرّازيّ : فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرّسول ؟
قلنا : فيه وجوه : الأوّل : [ قول أبي مسلم ]
الثّاني : أنّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرّسول إلّا أنّهم شاهدوا أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التّجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم .
الثّالث : قال الأصمّ : إنّهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند اللّه تعالى ، إلّا أنّهم كفروا به حسدا وعنادا . قال القاضي : « يبعد في العالم باللّه وبرسوله وصحّة دينه أن يكون محادّا لهما » . قال الدّاعي إلى اللّه :
هذا غير بعيد لأنّ الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات .
الرّابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون ذلك .
الخامس : أنّهم كانوا شاكّين في صحّة نبوّته وما كانوا قاطعين بفسادها . والشّاكّ خائف ، فلهذا السّبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم . [ إلى أن قال : ]
أي ذلك الّذي تحذرونه ، فإنّ اللّه يخرجه إلى الوجود ، فإنّ الشّيء إذا حصل بعد عدمه ، فكأنّ فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود . ( 16 : 121 )
نحوه ملخّصا النّيسابوريّ ( 10 : 122 ) ، والبروسويّ ( 3 : 458 ) ، والقاسميّ ( 8 : 3192 ) .
القرطبيّ : قوله تعالى :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ
خبر وليس بأمر ، ويدلّ على أنّه خبر أنّ ما بعده :
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
لأنّهم كفروا عنادا . [ إلى أن قال : ]
يحذر ، أي يتحرّز . ( 8 : 195 )
البيضاويّ :
ما تَحْذَرُونَ
أي ما تحذرونه من إنزال السّورة فيكم ، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم .
( 1 : 421 )