أبو حيّان : [ ذكر قول مجاهد والسّدّيّ وبعضا من أسباب النّزول ، ثمّ قال : ]
والظّاهر أنّ ( يحذر ) خبر ، ويدلّ عليه
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ .
فقيل هو واقع منهم حقيقة لمّا شاهدوا الرّسول يخبرهم بما يكتمونه ، وقع الحذر والخوف في قلوبهم . [ إلى أن قال : ]
وقال الزّجّاج وغيره ممّن ذهب إلى التّحرّز من أن يكون كفرهم عنادا : هو مضارع في معنى الأمر ، أي ليحذر المنافقون ، ويبعده ( مخرج ما تحذرون ) و ( ان تنزّل ) مفعول ( يحذر ) وهو متعدّ . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وقال تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
لمّا كان قبل التّضعيف متعدّيا إلى واحد ، عدّاه بالتّضعيف إلى اثنين .
وقال المبرّد : « حذر » إنّما هي من هيئات الأنفس الّتي لا تتعدّى ، مثل فزع ، والتّقدير : يحذر المنافقون من أن تنزّل ولا يلزم ذلك ، ألا ترى أنّ « خاف » من هيئات النّفس وتتعدّى . [ إلى أن قال : ]
ومعنى
مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
مبرز إلى حيّز الوجود ما تحذرونه من إنزال السّورة ، أو مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم . ( 5 : 66 )
أبو السّعود : أي يحذر المنافقون أن تنزّل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين ، وتهتك عليهم أستارهم . [ إلى أن قال : ]
ما تَحْذَرُونَ
أي ما تحذرونه من إنزال السّورة ، ومن مخازيكم ومثالبكم المستكنّة في قلوبكم ، الفاضحة لكم على ملأ النّاس . والتّأكيد لردّ إنكارهم بذلك لا لدفع تردّدهم في وقوع المحذور ؛ إذ ليس حذرهم بطريق الحقيقة . ( 3 : 166 )
الآلوسيّ : ويجوز أن يكون ( يحذر ) متعدّيا بنفسه ، كما يدلّ عليه ما أنشد سيبويه من قوله :
حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس ينجيه من الأقدار
وأنكر المبرّد كونه متعدّيا ، لأنّ « الحذر » من هيئات النّفس كالفزع ، والبيت قيل : إنّه مصنوع ، وردّ ما قاله المبرّد بأنّ من الهيئات ما يتعدّى ك « خاف وخشي » ، فما ذكره غير لازم . [ إلى أن قال : ]
وفي الإخبار عنهم بأنّهم ( يحذرون ) ذلك إشعار بأنّهم لم يكونوا على بتّ في أمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام . [ ثمّ ذكر قول أبي مسلم إلى أن قال بعد قول الزّجّاج : ]
وهو خلاف الظّاهر ، وكان الظّاهر أن يقول : إنّ اللّه منزّل سورة كذلك أو منزّل ما تحذرون ، لكن عدل عنه إلى ما في النّظم الكريم للمبالغة ؛ إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السّورة ، أو لأنّه أعمّ إذ المراد مظهر كلّ ما تحذرون ظهوره من القبائح . وإسناد الإخراج إلى اللّه تعالى للإشارة إلى أنّه سبحانه يخرجه إخراجا لا مزيد عليه ، والتّأكيد لدفع التّردّد أو ردّ الإنكار . ( 10 : 130 )
رشيد رضا : الجمهور على أنّ جملة ( يحذر ) خبر على ظاهرها ، وعن الزّجّاج : أنّها إنشائيّة في المعنى ، أي ليحذروا ذلك . وهو ضعيف ، فالحذر كالتّعب :
الاحتراز والتّحفّظ ممّا يخشى ويخاف منه ، كما يؤخذ من مفردات الرّاغب وأساس البلاغة ، في مادّتي « ح ذ ر » ، وح ر ز » ، ويستعمل في الخوف الّذي هو سببه .