العبادة خالصة لوجهه لاستحقّ عليها الثّواب ، فلذلك وصفها بأنّها محبطة . [ إلى أن قال : ]
ومعنى ( ليحبطنّ ) ليفسدنّ ، يقولون : حبط بطنه إذا فسد من داء معروف . ( 9 : 44 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 4 : 507 )
الزّمخشريّ : قرئ ( ليحبطنّ ) ، و ( ليحبطنّ ) على البناء للمفعول ، و ( لنحبطنّ ) « 1 » بالنّون والياء ، أي ليحبطنّ اللّه أو الشّرك . ( 3 : 407 )
الآلوسيّ : وفي عدم تقييد الإحباط بالاستمرار على الإشراك إلى الموت ، دليل للحنفيّة الذّاهبين إلى أنّ « الرّدّة » تحبط الأعمال الّتي قبلها مطلقا . نعم قالوا :
لا يقضي منها بعد الرّجوع إلى الإسلام إلّا الحجّ .
ومذهب الشّافعيّ أنّ « الرّدّة » لا تحبط العمل السّابق عليها ، ما لم يستمرّ المرتدّ على الكفر إلى الموت . وترك التّقييد هنا اعتمادا على التّصريح به ، في قوله تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
البقرة : 217 ، ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد .
وأجاب بعض الحنفيّة بأنّ في الآية المذكورة توزيعا
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
ناظر إلى الارتداد عن الدّين ،
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
إلخ ناظر إلى الموت على الكفر ، فلا مقيّد ليحمل المطلق عليه .
ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في الصّحابيّ إذا ارتدّ ثمّ عاد إلى الإسلام بعد وفاته صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أو قبلها ، ولم يره هل يقال له : صحابيّ أم لا ؟
فمن ذهب إلى الإطلاق قال : لا ، ومن ذهب إلى التّقييد قال : نعم . وقيل : يجوز أن يكون الإحباط مطلقا من خصائص النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ؛ إذ شركه - وحاشاه - أقبح ، وفيه ضعف لأنّ الغرض تحذير أمّته وتصوير فظاعة الكفر ، فتقدير أمر يختصّ به لا يتعدّى من النّبيّ إلى الأمّة ، لا اتّجاه له ، مع أنّه لا مستند له من نقل أو عقل .
والمراد بالخسران على مذهب الحنفيّة : ما لزم من حبط العمل ، فكان الظّاهر « فتكون » إلّا أنّه عدل إلى ما في النظّم الجليل للإشعار بأنّ كلّا من الإحباط والخسران يستقلّ في الزّجر عن الإشراك . وقيل :
الخلود في النّار ، فيلزم التّقييد بالموت ، كما هو عند الشّافعيّ عليه الرّحمة . ( 24 : 24 )
نحوه ملخّصا القاسميّ . ( 14 : 5149 )
مكارم الشّيرازيّ : إحباط الأعمال يعني محو آثار ثواب الأعمال السّابقة ؛ وذلك بعد كفره وشركه باللّه ، لأنّ شرط قبول الأعمال هو الاعتقاد بأصل التّوحيد ، ولا يقبل أيّ عمل بدون هذا الاعتقاد . ( 15 : 132 )
مسألة إحباط الأعمال :
هل يمكن حقّا أن تحبط الأعمال الصّالحة للإنسان بسبب أعمال سيّئة يرتكبها ؟ وهل أنّ هذه المسألة لا تتعارض مع عدالة البارئ عزّ وجلّ من جهة ، ومع ظواهر الآيات الّتي تقول :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ؟
البحث بشأن هذا الأمر طويل وعريض من كلّ
هامش
( 1 ) وهي قراءة زيد عن يعقوب ( الطّبرسيّ 4 : 506 )