أخسرهم .
والمعنى بطلت أعمالهم الّتي عملوها في شأن موالاتكم ، وسعوا في ذلك سعيا بليغا ؛ حيث لم تكن لكم دولة ، فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحمّلوا من مكابدة المشاقّ . وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتّقريع للمخاطبين ما لا يخفى .
وقيل : قاله بعض المؤمنين مخاطبا لبعض تعجّبا من سوء حال المنافقين ، واغتباطا بما منّ اللّه تعالى على أنفسهم من التّوفيق للإخلاص : أهؤلاء الّذين أقسموا لكم بأغلظ الأيمان أنّهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفّار ؟ ! بطلت أعمالهم الّتي كانوا يتكلّفونها في رأي أعين النّاس .
وأنت خبير بأنّ هذا الكلام من المؤمنين إنّما يليق بما لو أظهر المنافقون حينئذ خلاف ما كانوا يدّعونه ، ويقسمون عليه من ولاية المؤمنين ومعاضدتهم على الكفّار ، فظهر كذبهم وافتضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد ، وبطلت أعمالهم الّتي كانوا يتكلّفونها في رأي أعين المؤمنين .
ولا ريب في أنّهم يومئذ أشدّ ادّعاء وأكثر إقساما منهم قبل ذلك ، فضلا عن أن يظهروا خلاف ذلك ، وإنّما الّذي يظهر منهم النّدامة على ما صنعوا ، وليس ذلك علامة ظاهرة الدّلالة على كفرهم وكذبهم في ادّعائهم ، فإنّهم يدّعون أن ليست ندامتهم إلّا على ما أظهروه من موالاة الكفرة ، خشية إصابة الدّائرة . ( 3 : 403 )
نحوه البروسويّ . ( 2 : 403 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ]
وذهب بعضهم إلى أنّه إذا كانت من جملة المقول فهي في محلّ نصب بالقول ؛ بتقدير : أنّ قائلا يقول : ما ذا قال المؤمنون بعد كلامهم ذلك ؟ فقيل : قالوا :
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ .
والجملة إمّا إخباريّة ، وشهادة المؤمنين بمضمونها على تقدير أن يكون المراد به : خسران دنيويّ وذهاب الأعمال بلا نفع يترتّب عليها ، هو ما أمّلوه من دولة اليهود ، ممّا لا إشكال فيه . وعلى تقدير أن يكون المراد :
أمرا أخرويّا ، فيحتمل أن يكون باعتبار ما يظهر من حال المنافقين في ارتكاب ما ارتكبوا . وأن تكون باعتبار إخبار النّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بذلك .
وإمّا جملة دعائيّة ، ولا ضير في الدّعاء بمثل ذلك ، على ما مرّت الإشارة إليه ، وأشعر كلام البعض أنّ في الجملة معنى التّعجّب مطلقا ، سواء كانت من جملة المقول ، أو من قول اللّه تعالى ، ولعلّه غير بعيد عند من يتدبّر . ( 6 : 160 )
رشيد رضا : يحتمل أن يكون من حكاية قول المؤمنين ، ويكون معناه بطلت أعمالهم الّتي كانوا يتكلّفونها نفاقا ليقنعوكم بأنّهم منكم ، كالصّلاة والصّيام والجهاد معكم ، فخسروا ما كان يترتّب عليها من الأجر والثّواب لو صلح حالهم وقوي إيمانهم بها .
ويحتمل أن يكون من قول اللّه عزّ وجلّ تعقيبا على قول المؤمنين ، فهو شهادة منه تعالى بحبوط أعمالهم الإسلاميّة ؛ إذ كانت تقيّة لا تقوى فيها ولا إخلاص ، وبخسرانهم في الدّنيا بعد الفضيحة ، وفي الآخرة يوم الجزاء . ( 6 : 433 )